الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

ما تقولهُ دُرَّةُ الأرض "د.عبدالرحمن بسيسو"

ما تقولهُ دُرَّةُ الأرض "د.عبدالرحمن بسيسو"

تاريخ النشر: 2018-11-06 | 12:39

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ*

غالباً ما كانتْ غَيبَتُكَ، وغَيبَةُ مَنْ كُنْتَهُ مِنْ أبْنَائِكَ الْبَحَّارةِ والْمَلاَّحِينَ الْمُغَامِرينَ الشُّجْعَانْ، تَطُولُ، وما من مرَّة عُدْتَ فيها بعدَ غيبةٍ طَالتْ، إلاَّ وشَرَعْتَ، فَورَ مُلامَسَةِ أقْدَامِكَ شَواطِئَ بلادِكَ، في الإعْدَادِ للرَّحِيلِ نَحْوَ أُفُقٍ آخرَ لخَوضِ مُغَامَرةِ كَشْفٍ جَدِيدْ، فقد كانَ لِخَطْوكَ الواثقِ فوقَ صَدْريَّ الرَّحْبِ أنْ يَفْتَحَ أمَامَكَ آفاقَ الرُّؤى الحُرَّةِ، وفضاءَاتِ الْخَيَالْ الطَّليق.

وذاتَ مُغَامَرةٍ وغيبةٍ طالتا حتَّى أزاحتا عن عُيُونِ أُمِّكَ قُدْرة الإغْمَاض، ظَلَلْتُ أُبْصِرُهَا طيلةَ الوقتِ وَاقِفَةً على الشَّاطئِ ضَارِعَةً إلى السَّمَاءِ بابتهالِ مَوصُولٍّ يَصْعَدُ مِنَ الْقَلْبِ، يَرْجُو عَودَتِكْ، وظَلَلْتُ أُبْصِرُ حُرَّاسَها الأَشِدَّاءَ، وفِدائِييها الْبَواسِلَ مِنْ أبْنَائكَ، يَنْتَشِرُونَ، ضَارِعِينَ، وبِكَامِلِ الْيَقَظَةِ والأهْبَةِ، حَوْلَها، وفي كُلِّ تُخْمٍّ وثَغْرٍ وهَضَبةٍ ورابيةٍ ووَادٍ وسَهْلٍ وجَبَلْ، فيما كانَ أبناؤكَ الآخرونَ مِنْ زُرَّاعٍ وحُصَّادٍ ومَلاَّحين وصيَّادينَ وتُجَّارٍ وأصْحَابِ مِهَنٍ وحِرَفٍ وصَنائعَ وعُلَمَاءَ طبٍّ وفلكٍ وجَبْرٍ وهَنْدَسَةٍ وحِسابٍ وصِباغةٍ ولغةٍ ومؤرِّخينَ وفنَّانيَن وفلاسفةٍ وشُعَراءَ ومُدَرِّسينَ وطُلاَّبِ عِلمٍ وَحًكَماءَ وأُمراءَ مُدنٍ وعرَّافينَ وكُهَّانَ مَعابدَ، يَحْفَظُونَ، مِثْلَ غَيرِهِمْ منَ النَّاسِ، وصَايا السَّماءِ، مُنْهَمكينَ كُلٌّ في طلبِ رِزْقِهِ، وأداءِ عَمَلهِ، مَسْكُونينَ بأمِّهم، وبانتمائهم إليكَ، ومبتهلين إلى العليِّ القدير، بقلوبٍ صامتةٍ يُلهبُ غيابُك شِغَافَهَا بالأسى، أنْ يُعِيدَكَ إليهم سَالماً غَانِمَاً مَوفُورَ الْعَافِيَة والنِّعْمة.

وإذْ كُنْتُ أُبْصِرُكَ، وأَحُسُّ بأنفاسكَ العَطِرةِ تُلامسُ بشرتي، وأَسْمَعُ وقْعَ خَطْوكَ الْوَاثِقِ على الْيَابِسَةِ وفَوقَ الْمَوجِ، إذْ كُنْتَ تَأتِي خَاطري على مُهرة الحدسِ، فلا تُفارقني ولا أُفَارِقُكْ، كُنْتُ أُطَمْئِنُ قَلْبِي عَلَيْكَ، فَتَهْدأُ دقَّاتُهُ وتنتظمْ، فَتَسْتَعِيدُ أُمُّكَ بَعْضَ بريقِهَا مُنْتَظِرةً، بلهفةِ الأمِّ، عَوْدَتَكْ كي يَغْمُرُهَا الْبَرِيقُ.

وكانَ أنْ حَلَّقتْ ذاتَ أصيلٍ في أجواء بلادك أسرابُ يَمامٍ ناصِعَة البياضِ، ظلَّت تأتي من جهةِ البحرِ ثُمَّ تَرجِعُ إليه مُحلِّقةً على هيئةِ سِهَامٍ تُوجِّهُ الأبصارْ، وسِرْعانَ ما استجابَتْ أمُّكَ وأبناؤكَ لمشيئةِ اليمامِ، فأبْصَرَتْ وأبْصَرُوا راياتِ سُفُنٍ وأشرعةً رفرافةً تَمْخُرُ عُبَابَ الْبَحْرِ آتيةً من الأُفُقِ الْبَعِيدْ، وما كانت تلكَ إلا راياتُكَ الأرجوانيةُ، وأشْرِعَةُ سُفُنِكَ العائدةُ إلى قَلْبي المِعْطاءِ تَضُخُّ في عُرُوقِهِ أجْمَلَ ما عَرفَتهُ حَضَارةُ الإنْسَان وأَنْبَلَهُ.

وحينَ اقتربتِ السُّفُنُ من الوَسَطِ المرئيِّ مِنْ أُفُقِ الْبَحرِ، رأيتُكَ، كما رأَتْكَ أُمُّكَ وأبناؤكَ حُرَّاسُ شَواطِئكَ الْوَاقِفِينَ بِأُهْبَةٍ على رَوابي الشَّواطئِ الْعَالِيةِ، تُغادرُ مَتْنَ السَّفينِ وتَمْضِي مَاشِياً فوقَ الْمَوجِ، وكأنَّ سَطْحَ الْبَحْرِ مَتنُ سَفِينَةٍ مُمْتَدٍ يَسْتَقْبِلُ خُطَاكْ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تقفزُ سَابِحَاً في مَدى الْمَاء، فإذا بالْبَحْرِ يَبْسِطُ ذِرَاعَيهِ سَاحِبَاً السُّفُنَ إلى شَاطِئِهِ، وإذا بالرِّيحِ تُرْخِي كفَّيهَا كَي تُسَاعِدُهُ، وإذا بالسُّفنِ تَرْسُو على الشَّاطئِ في مُحَاذاةِ مَراسيها، مُسْتَسْلِمَةً لِسَواعِدِ أبْنَائِكَ وأكفِّهُمُ التي شَرَعَتْ تَعْتَنِي بهَا، وتُفْرِغُ حُمُولَتَهَا، وتُرحِّبُ بالضُّيوفِ الآتينَ على مَتْنِهَا، وتُقدِّم لهم الْمَاءَ، والْبُرْتُقَالَ، وأرغفةَ الخبزِ السَّاخن الْمُشْبَعِ بالزَّعْتَرِ الْبَريِّ، وزَيْتِ الزَّيتُون.

ثُمَّ رأيناكَ، مرَّاتٍ ومرَّاتٍ، تُكَرِّرُ الصُّعودَ إلى السَّطْحِ مَاشِيَاً فَوقَ مَوْجِ الْبَحْرِ، ثُمَّ قَافِزَاً مِنْ جَدِيدٍ إلى أعْمَاقِهِ الْمُوغِلَةِ، فإذا بكَ تَعثرُ، في المرَّة الأخيرةِ التي أطلتَ فيها المكوثَ في قاعِ الْبَحرِ والتي لم يَكُنْ لأحدٍ من النَّاسِ أنْ يُبْصِرَكَ خلالها سِوى أُمّكَ وأَنَا، عَلَى غَارٍ فَسِيحٍ سَحِيقٍ يُوغلُ قاعُهُ صَوبَ أعْمَاقٍ تَكَادُ تُلامِسُ شِغافَ قلبي، وأطرافَ بِشْرَتِي.

كان ذلك غَاراً ذا مَدْخَلَينِ واسعينِ يَنْفَتِحُ أحدُهُمَا على جِهَةِ الشَّاطئِ، فِيمَا يُفْضِي الآخرُ إلى غَدِيرٍ يُفْضِي إلى مَداخِلِ أقبيةٍ تُفْضي إلى شَواطئ عديدةٍ أخرى؛ كانَ غَاراً على يَمِينِ مِدْخَلِه المَفْتُوحٍ على جِهةِ الشَّاطئ ينبوعُ مَاءٍ عَذْبٍ قَرَاحٍ يُشَكِّلُ غَدِيراً يَتَوضَّأُ فيه كلُّ داخلٍ إليهْ؛ غَاراً تُشَكِّلُ جُدْرَانه العاجِيَّةُ الْمَكْسُوَّةُ بِعُشْبٍ مُخْمَلِيٍّ قَبْواً فَسِيْحاً في آخِرِهِ مِحْرابٌ يَمُوجُ بالنُّور، وتَعْلُو سَقْفَهُ قُبَّةٌ مُنيِّرةٌ تُبْحِرُ في سَمَائِهَا شُمُوسٌ كَثِيرَةٌ، وأقْمَارٌ ونُجُومٌ، وكَواكِبُ لامِعةٌ مُضِيئةٌ شكَّلتها أصَابعُ الْبَحْرِ مِنْ لؤلؤٍ وزُمُرُّدٍ ومَرْجَانَ، وتَكْسُو جُدْرَانَهُ كَلِماتٌ وعِبَاراتٌ وجُمَلٌ برَّاقةٌ خُطَّتْ بِماءِ ورُودٍ أُرجوانيةٍ، وَعُشِّقَتْ بَحبَّاتِ دُرٍّ وزَبَرْجَدٍ وَمَرْجَانٍ وعُروقِ زَنْبَقٍ بَحْرِيٍّ وَرَيْحَانٍ، فلا تَكَادُ تَعْبُرهُ الأمْوَاهُ الْمُتَعدِّدةُ الألْوَانِ، الآتِيَةُ مِنْ كُلُّ قَبوٍ، حتَّى تَصْطَبِغَ بلونِ الأُرْجُوانِ فائحاً بعَبِيرِ الزِّنْبَقِ والرِّيحانِ، فَتَصْفُوَ وتَتَجَوهَرَ، فَمَا أنْ تَرْجِعَ إلى الْقَبْوِ الَّذِي مِنْهُ جَاءتْ حتَّى تَجْتَافَ أمْواهُهُ جَوْهَرَ خَصَائِصَهَا الجديدة، فَتَتَمَاهى بها، فَتَنْفَتُحَ على أنوارِ السَّماء، فَتَسْتَنِيرَ، وَتَسْمُوَ، وتجعلَ الأقبيةَ قِبَاباً مُنيرةً تنفتحُ على سَماواتٍ ذات فضاءاتٍ مفتوحةٍ على آفاقٍ لا تُحَدُّ، ولا تنتهي، ولا تتناهى”.

عبد الرَّحمن بسيسو
*مقتطف من نص نثري شعري ممسرح بعنوان: "ما تقوله درة الأرض أو هكذا تتكلَّم فلسطين" {الرسالة الثانية}، وهو قيد الكتابة.

×
أخبار
مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط