لم يسبق لباراك أوباما ان كان سعيداً ومتحمساً كما شاهدناه أمس وهو يتحدث عن "الإتفاق التاريخي والإيجابي والجيد" الذي تم التوصل اليه مع ايران، بعد مفاوضات طويلة ومعقدة تسببت بنشوب خلاف بين ادارة أوباما والجمهوريين وبينها وبين بنيامين نتنياهو، كما تسببت بكثير من العتب والمرارة لدى الحلفاء الخليجيين لأميركا، وخصوصاً بعدما اكتشفوا ان البيت الأبيض انهمك مدة ثلاثة اعوام في مفاوضات سرية مع الإيرانيين في عُمان "عقر دارهم"، ولم يكلّف خاطره إبلاغهم!
على هذا الأساس يرى البعض ان لا قيمة اطلاقاً للإتصالات التي اجراها أوباما أمس مع زعماء الخليج ليطلعهم على تفاصيل الإتفاق وليؤكّد التزام الولايات المتحدة ضمان أمن الحلفاء في الشرق الاوسط والخليج، على الأقل بعدما تأكد ان نظرية الإلتزامات ليست مُلزمة في كثير من القضايا والسياسات، ومنها مثلاً كل ما قاله أوباما عن القضية الفلسطينية ووعوده الزهرية في شأنها، وكل ما هدد به حيال الازمة السورية ثم بدا كمن يقيم إدارة مشتركة مع الروس لدفع المنطقة الى الفتنة المذهبية الكبرى.
هذا الكلام لا ينطوي على أي مبالغة، ففي محصّلات السياسة الأميركية مرارات كبيرة عند الزعماء العرب، لن تستطيع القمة التي اقترح أوباما عقدهامع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في كمب ديفيد هذا الربيع ان تعالجها، فعندما يقول "كيف يمكننا تقوية تعاوننا الأمني بينما نعمل على حلّ الصراعات المتعددة التي تؤدي الى هذا الكمّ من المعاناة وانعدام الاستقرار في أرجاء الشرق الأوسط"، فإنه يقفز فوق الحقيقة الفجّة التي تبيّن في وضوح ان سياساته ساهمت كثيراً في ايجاد المعاناة وانعدام الاستقرار.
السؤال المهم بعد التوصل الى الاتفاق النووي مع ايران ورفع العقوبات فوراً عنها، هل يمنعها ذلك من المضي قدماً في سياسات التدخل والتلاعب بشؤون الدول العربية والخليجية، ودائماً على خلفية السعي لفرض هيمنة إقليمية، ام يخصّب الاتفاق هذه التدخلات ويزيدها تفاقماً، على ما جرى ويجري في اليمن وقبله في العراق وفي سوريا والبحرين ولبنان والكويت والسودان وحتى في ليبيا؟
ليست القصة قصة قنبلة نووية تمتلكها ايران او لا تمتلكها، فبعد جريمة هيروشيما ليس هناك من يستعمل هذه القنبلة، لكنه يوظّفها معنوياً في إطار غطرسة هيمنة القوة كما يقال، وفي استطاعة الدول الخليجية الحصول مثلاً على قنبلة نووية من باكستان، لكن القصة قصة انضباط ايران داخل حدودها وعدم اندفاعها للتدخل والتوتير في المنطقة والإقليم.
واذا كان أوباما يقول إن ايران تقدمت في برنامجها النووي على رغم كل العقوبات المفروضة عليها، فهل هناك من يصدّق ان الاتفاق معها سيمنعها فعلاً من المضي في برنامجها النووي سراً، ومن رفع نسبة التخصيب في تدخلاتها الاقليمية؟
عن النهار اللبنانية