كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية مطلع شهر مايو الحالي، عن وصول مسؤول في الحكومة الكردية لتل أبيب، مطالبًا إسرائيل بتزويد إقليم كردستان العراقي بالأسلحة الثقيلة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية المعروفة إعلاميًا بـ"داعش"، واستغلال جماعات الضغط اليهودية في الوﻻيات المتحدة للدفع باتجاه إقامة دولة كردية مستقلة. وقالت الصحيفة،إنَّ الدكتور نهرو زاجروس، مستشار الحكومة الكردية بالعراق، ونائب رئيس جامعة "سوران" في أربيل، قد حلَّ ضيفًا على البروفيسور، عفرا بنجو، الخبيرة في الشؤون العراقية بمركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، وبالتنسيق مع الخارجية الإسرائيلية.
لم تكن هذه هي الزيارة الأولى وقطعا لن تكن الأخيرة، فمحددات العلاقة ومحطاتها كثيرة وقديمة بين إسرائيل وكردستان، لكنها الآن تشهد محدد جديدا وهو التسليح الإسرائيلي للإقليم ومواجهة تنظيم داعش، ما هي ملامح العلاقة وبداياتها واهم محدداتها ومحطاتها؟، وتداعياتها وتبعاتها؟، وهل باتت داعش محدد للتقارب ما بين إسرائيل وكردستان؟، وهل التسليح لمواجهة داعش مسار جديد في العلاقة أم أن الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي قديم بين إسرائيل وكردستان؟. هل تدعم خارطة تشكيل الحكومة الإسرائيلية الآن وعقب الانتخابات الأخيرة التقارب الإسرائيلي الكردي ؟. ما هو موقع كردستان العراق في خارطة البحث الإسرائيلي عن حلفاء في المنطقة أو ما يعرف بنظرية شد الأطراف التي أسسها بن غوريون العام 1958والتزمت بها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كأحد أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية؟.(1)
جذور العلاقة وبداياتها
بدأت علاقة الأكراد بالإسرائيليين منذ عام 1943 أي قبل قيام إسرائيل، وتعمقت بعد قيام الدولة العبرية، وقامت إسرائيل بمساعدة الأكراد في معاركهم مع الأنظمة العراقية منذ أيام الملكية وما بعدها، وقد أمدتهم أكثر من مرة بالسلاح والأغذية والمعونات الصحية، والأموال، وكان ممثلين من الموساد الإسرائيلي قد زاروا المواقع الكردية في شمال العراق في فترة الستينيات، وكانت الاتصالات بينهما تتم عبر طهران في ظل حكم الشاه وعبر العواصم الأوروبية وخاصة في باريس ولندن. وكان زعيم الأكراد الراحل مصطفى البرزانى قد زار إسرائيل مرتين والتقى هناك بالقيادات الإسرائيلية وقيادة الموساد في فترة الستينيات. (2)
هدفت الاتصالات المتبادلة آنذاك لمعرفة أهداف ونوايا البرزانى؛ الذي أطلق عليه أبا يبان وزير خارجية إسرائيل وقتها لقب البرزانى الأحمر عام 1959، ونشطت بعد ذلك العلاقات بينه وبين جهاز المخابرات الإسرائيلي عن طريق جهاز السافاك الايرانى، وعلى أثر المعارك التي خاضها مع الجيش العراقي عام 1961 طلب من إسرائيل أسلحة وذخائر وأدوية لمعالجة الجرحى الأكراد وتقديم المساعدة لإنشاء محطة إذاعة كردية جديدة، وفى هذه الفترة كانت الاتصالات مع إسرائيل تتم عن طريق ثلاث قنوات أولها المخابرات الإيرانية، وثانيها نشاط الأكراد في أوروبا مع السفارات الإسرائيلية وثالثها علاقة البرزانى بصديقه القديم موريس فيتشر سفير إسرائيل في روما. لاحقا بدأت المخابرات الإسرائيلية ترتب لاتصالاتها مع الأكراد عن طريق أثنين من العملاء قدموا إلى كردستان تحت غطاء أنهما صحفيان ألمانيان وجاء ذلك في كتاب سعيد جواد العراق وكردستان.
أصبح ملف الأكراد في إسرائيل له أهمية خاصة ففى 15 ابريل 1965 عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفى اشكول اجتماعا حضرته وزيرة الخارجية جولدا مائير ورئيس الأركان اسحق رابين ومائير عميت رئيس الموساد الذي طرح قضية الأكراد والأعمال الخاصة التي تقوم بها إسرائيل وخلص الاجتماع إلى قرار نص على ضرورة منح الأولية للقضية الكردية. وبعد عدة أشهر وبالتحديد في أوائل عام 1966 التقى البرزانى بالمستشار الإسرائيلي ليشع رونى، وفي عام 1968 قام البرزاني بزيارة لإسرائيل في عيد الفسح، ويصف شلومو نكديمون فى كتابه زيارة البرزانى لإسرائيل ويقول: هبطت الطائرة التي أقلت البرزانى على مدرج جانبي في مطار اللد، وكان بصحبته الدكتور أحمد ابراهيم وخمسة حراس شخصيين مسلحين ببنادق كلاشينكوف وقد استقبله لبكوب وعميت وعدد من معارفه الإسرائيليين مثل ديفيد جابانى صديقه اليهودي في كردستان الذي كان يتخذ له اسما آخر وهو داود الحاج حانو، وفى هذا اللقاء قال له الرئيس الإسرائيلي شوفال: تخلى عن فكرة الحكم الذاتي وأعمل من أجل إقامة دولة كردية. (3)
استمر التقارب الكردي الإسرائيلي وبات يأخذ أشكال متعددة ففي عام ۱٩٩٣ تأسست في تل أبيب منظمة صهيونية بإسم "جامعة الصداقة الكردية الإسرائيلية" التي يرأسها الصهيوني اليهودي الكردي الأصل - من مدينة زاخو العراقية - "موتي زاكن"، وإنتهى الأمر في عام ۱٩٩٦ إلى تشكيل مؤسسة في واشنطن تحمل إسم "معهد واشنطن للأكراد" والذي أسسه، بمساعدة مالية وإشراف من الموساد، موريس أميتاي.
حيثيات التقارب وإحداثياته
كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية في يونيو الماضي عن وصول مليون برميل نفط من إقليم كردستان العراقي إلى إسرائيل عبر ميناء عسقلان، وأشارت إلى أن الأكراد قدموا للإسرائيليين عروضا مغرية، وتابعت الصحيفة: بعد أسابيع من الإبحار في عرض البحر المتوسط، ظهرت في النهاية دولة توافق على استيعاب النفط الكردي . السفينة "ألتاي" التي ترفع علم ليبيريا رست في ميناء عسقلان حاملة على متنها نحو مليون برميل نفط، تم إنتاجها في حقول النفط التابعة لإقليم كردستان في العراق. ونقلت "هآرتس" عن مصدر في حكومة إقليم كردستان قوله: "مبدئيًا ليس لدينا أي مشكلة بالاستمرار في بيع النفط لإسرائيل أو لأية دولة أخرى". مضيفًا "نحن سعداء للغاية لإيجاد مشتر لنفطنا. هذه خطوة جديدة في استقلالنا الاقتصادي". المصدر الكردي أكد أنَّ من سيشتري النفط الكردي سيتمتع من أسعار خاصة وكميات جارفة، رافضا الكشف عن سعر البيع لإسرائيل وما إن كانت هذه العملية ستكرر في القريب.
قتال داعش
كشف موقع "ديبكا" الإسرائيلي في أغسطس الماضي أن كميات كبيرة من الأسلحة وصلت يوم الاثنين 11 أغسطس من إسرائيل لقوات البيشمركة الكردية لدعمها في قتال مسلحي الدولة الإسلامية داعش، وأوضح الموقع القريب من الموساد أن الجيش الأمريكي بدأ في عملية نقل جوي لأسلحة وذخيرة من إسرائيل والأردن لأربيل عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، للتصدي للدولة الإسلامية التي يسيطر عناصرها على مساحات واسعة من العراق. وذكر موقع " ديبكا" أن الجيش الأمريكي نقل كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة من مخازن الطوارئ الأمريكية الواقعة في صحراء النقب الإسرائيلية لقوات البيشمركة الكردية.
تأييد إسرائيلي وحفاوة كردية
ذكرت صحيفة " يديعوت احرونوت" في 25 أغسطس الماضي أن جنود أكراد قاموا برفع العلم الإسرائيلي خلال مهرجان أقيم في مدينة دهوك ثالث أكبر مدينة في إقليم كردستان شمال العراق. وأوضحت الصحيفة أن المهرجان الذي أقيم للتعبير عن الطموحات الكردية في استقلال الإقليم عن العراق بشكل كامل، بمشاركة سكان محليين وعناصر بالأمن الكردي، شهد مفاجأة كبرى، عندما قام الجنود الأكراد برفع علم إسرائيل بجوار علم تركيا. وفسر "روعي كايس" محرر الشؤون العربية بالصحيفة هذه الخطوة غير الاعتيادية بالقول إن إسرائيل، وأيضا تركيا أبدتا مؤخرا تأييدهما لاستقلال أكراد العراق. وذكر بتصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يونيو الماضي مع بدء الأزمة في العراق، الذي قال فيه " يجب علينا تأييد المساعي الدولية لتقوية الأردن ودعم طموح الأكراد في الاستقلال".
وكانت صحيفة " يديعوت" قد نقلت عن " جانج ساجنيج" الباحث في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، والمولود بإقليم كردستان أن الإعلام الكردي والمواطنين المحليين كثيرا ما يتحدثون عن العلاقات بين كردستان وإسرائيل. وتابع" ساجنيج":” أستطيع القول بصراحة أن التصريحات الإسرائيلية المؤيدة لكردستان، اعتبرت كخطوة شجاعة من قبل الأكراد، الذين يشعرون بالعزلة في المنطقة بنفس الشكل الذي تشعر به إسرائيل. ففور تصريحات نتنياهو، امتلأت الشبكات الاجتماعية بأعلام إسرائيل وبصور توثق التعاون التاريخي بين الشعبين". واعتبر"ساجينج" أن أحد الأسباب الرئيسية لما وصفه بشعور الأكراد بالقرب من إسرائيل، هو أن الكثير منهم يؤمنون أن هناك نظرة مشتركة للشعبين حيال الواقع في الشرق الأوسط، وتعرضهم لعدوان مماثل من دول إقليمية. سبب آخر رأى "ساجنيج" أنه عمل على التقريب بين الأكراد والإسرائيليين هو أن" الطابع العلماني للمجتمع الكردي. فرغم أن غالبية الأكراد مسلمون، فإن للقيم العلمانية في الحياة السياسية والاجتماعية أولوية عن الدين. لذلك فإن رفع علم إسرائيل خلال مهرجان الاستقلال لم يخلف أي استياء".
مستقبل العلاقة
لا يبدوا أن هناك مشكلات قد تعيق التقارب الكردي الإسرائيلي الحاصل، لا سيما وان تتبع الإحداثيات يؤكد أن حظوظ التقارب اكبر وأوفر خاصة في ظل الدعم الإسرائيلي المتعدد المواقع السياسية الداعم لاستقلال كردستان وإعلانها دولة مستقلة، حتى في ظل نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي يتقدم المشهد فيها نتنياهو وليبرمان، وكان رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو قد اعرب عن دعمه لقيام دولة كردية؛ وقال نتنياهو في معهد (آي.إن.إس.إس) البحثي التابع لجامعة تل أبيب إن هناك انهيارا في العراق وغيره من مناطق الشرق الأوسط التي ترزح تحت صراعات بين السنة والشيعة. وأضاف "علينا.. أن ندعم التطلعات الكردية من أجل الاستقلال." وتابع نتنياهو أن الأكراد "شعب مناضل أثبت التزامه السياسي واعتداله السياسي ويستحق الاستقلال السياسي". الموقف ذاته عبر عنه وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، خلال لقائه في باريس بوزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بأن "قيام دولة كردية شمالي العراق بات حقيقة". وفي وقت سابق طالب الرئيس الإسرائيلي المنتهية ولايته، شمعون بيريز، خلال لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالاعتراف بدولة كردية مستقلة، لأن الأكراد اليوم يبيعون النفط بشكل مستقل، وهو ما قد يعرضهم لعقوبات قانونية دولية.
دراسة الايجابيات وتوظيف المتغيرات
تعيد التصريحات الإسرائيلية السالفة الأنظار إلى مقالة مشتركة لكاتبين إسرائيليين، تفسّر عملياً المخططات الإسرائيلية، في كيفية الاستفادة من الربيع العربي واستغلال الثورات العربية. وتهدف هذه المخططات لتعزيز الخط الاستراتيجي الإسرائيلي الداعي لإقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة، وإقامة دول طائفية إذا أمكن، أو اللعب بالورقة الطائفية، إذا تعذر تأسيس بيئة سياسية من الكيانات الطائفية. وبحسب المقال، الذي كتبه الباحث الإسرائيلي من مركز أبحاث الأمن القومي، عيران عوديد، بالتعاون مع الباحثين مركز "ديان" للدراسات وعوفرا بينجو، ونشرت في فبراير/شباط 2013 في صحيفة "هآرتس"، فإن الكاتبين يدعوان الحكومة الإسرائيلية إلى دراسة "الإيجابيات" الكامنة في الخروج من "صندوق" العلاقات مع تركيا ومحاولة الاستفادة من التأسيس لعلاقات مع القوة الأكراد الصاعدة.وبحسب المقالة المذكورة، فإنه من شأن كيان كردي مستقر وقوي في العراق أن يكون كنزاً استراتيجياً لإسرائيل، وخصوصاً في حال ارتبط هذا الكيان، بحبل سرة مع الأكراد في سورية والعراق وإيران وتركيا وخلق حضوراً إثنياً مهماً يتمتع بتواصل جغرافي.وتبدو التصريحات الإسرائيلية، ترجمة عملية لتوصيات كاتبي المقال اللذين أوصيا، بأنه "يجدر لإسرائيل أن تتبنى سياسة أكثر فاعلية تعتبر وجود كيان كردي شمالي العراق، وأذرعه في سورية وإيران حلفاء لها".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صدر في مايو 2015 كتاب جديد ليوسي الفر، الذي عمل في الموساد كما شارك في تحرير النشرة الإخبارية الإسرائيلية الفلسطينية "بيترليمون"، ويتناول تاريخ "مبدأ شد الأطراف"، وهو عنوان عام يشمل سعي إسرائيل للحصول على حلفاء في الشرق الأوسط. وكان هدفه الأساسي إيجاد شركاءً إقليميين ضد " العرب الأساسيين"، وكان هؤلاء الشركاء الإقليميين بلدانًا وأقليات عرقية أو دينية داخل بلدان، وشمل في أوقات مختلفة تركيا وإيران في عهد الشاه وإثيوبيا والسودان والمغرب واليونان فضلا عن الموارنة في لبنان، وأكراد العراق، والسودانيين الجنوبيين و البربر. وكان وقت ازدهار مبدأ شد الأطراف، أو "عمليته الرئيسية" هو تحالف ثلاثي مخابراتي - يدعي "ترايدنت"- مع تركيا وإيران بدأ في نهاية الخمسينيات. وقد استمر مع ايران حتى قيام الثورة عام 1979، ومع تركيا حتى ابتعد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عن إسرائيل حوالي عام 2009.
(2) ظهرت بعض هذه الحقائق في كتب وتقارير من بينها كتاب شلومو نكديمون وهو يهودي امريكي تابع الملف الكردي الإسرائيلي.وعنوان الكتاب "الموساد في العراق انهيار الآمال الإسرائيلية الكردية" صادر عن دار الجليل 1997، وكذلك كتاب "أمة في شقاق.. دروب كردستان لنفس الصحفي الأمريكي. وفي هذا الكتاب وقائع وتواريخ وأحداث وزيارات.
(3) للمزيد انظر د/ صلاح عبد اللطيف، القصة الكاملة لعلاقة إسرائيل بالأكراد،في الرابط التالي : http://alnoha.com/read5/al89ah.htm