تاريخ النشر: 2018-06-04 | 21:10
تاريخ النشر: 2018-06-04 | 21:10
قبل اكثر من خمسين عاما حلت النكبة الكبرى بأمتنا عندما تمكنت قوات الصهاينة من احتلال قطاع غزة والضفة الغربية و شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان السورية.. ان ما حدث يفوق التخيل ولايمكن احالته على التحليل المنطقي.. لم تكن الحرب بغتة وهذا يبعدها عن توصيف نكبة ولكنها حصلة فاجعة مذهلة لا ييمكن ردها فكانت نكبة.. حصلت الحرب في ظل تهييج رسمي عربي واسع عن الاستعداد لها فمن الذي هزم في تلك الحرب؟
بلا شك لم يهزم الجندي العربي الحر والذي تسكنه كل معاني العزة والكرامة والذي ابلى رغم حدوث النكبة بلاء عظيما متى سنحت له الفرصة وتهيأت له ظروف المواجهة.. ولم يهزم المواطن العربي الذي كان في قمة ارتفاع روحه المعنوية والذي صبر صبرا طويلا على ظلم الطواغيت وجبروتهم وعلى حرمانه من كريم العيش من اجل انتصار موعود يعيد له حقه المقدس بفلسطين.
لقد تم تقديس الزعيم والشعار والمقولة والفوضى والحتم بوقوع الجولة الفاصلة بالقاهر والظافر حتى اصبحت الشعوب في خدر التهييج واصاب الناس من التسليم بنصر ساحق ماحق فلما حصل ما حصل كانت الهزيمة المعنوية اشد ايلاما واوقع احباطا.
ان النظام العربي البوليسي هو الذي انهزم.. انهزمت دولة البوليس التي جندت الاعلام فاصبح مهرجا و جندت الفنانين فاصبحوا لهاة وجندت شيوخ الدين فاصبحوا مرتزقة وجندت النخب الثقافية فاصبحوا افاقين.. انهزمت ادوات الفساد جملة وانكشف الامر ان الافكار الكبيرة والشعارات العريضة الرنانة التي ارتفعت للتغطية على عجز بنيوي وثقافي واخلاقي لم تصمد كثيرا في المواجهة.
انهزمت منظومة الافكار الهشة وانهزم منهج الحياة الرخو التلفيقي انهزم الحزب والطليعة والتحشيد وانهزمت المقولات الفوضوية والتحليلات غير العلمية مرحلة بكاملها انهزمت فكانت الكارثة في لحظة واحدة تصل الى نخاع الحياة العربية.. سقط النظام العربي وسقطت افكاره ومنهجه وطريقته في التعامل مع التحديات.. ولم تكن بالنسبة للعدو الذي كان يقيم وقائعه على علم وبتركيز وبتخطي معركة انما نزهة مسلحة.. لم تكن بالنسبة للنظام العربي مواجهة بل انهيارا فظيعا.. لم تكن هناك خطة ولا استراتيجية انما هو التهريج والكلام الذي يشبه الطفيليات التي تغطي على الحقيقة.
وكانت نكبة فيما سياتي بعد في الفكر والسياسة والثقافة.. فمنذ تلك اللحظة تضاءلت فلسطين لتعود فقط الضفة الغربية وقطاع غزة وتراجع الشعار من تحرير فلسطين الى "ازالة اثار العدوان".. ومن الكلام عن الحرب الى التعامل مع المشاريع كمشروع روجرز وسوى ذلك من مبادرات غربية وامريكي ةارادت امتصاص حالة الغضب الشعبي العربي والاستفادة من حالة انكسار النظام العربي وزعاماته والدفع بها في مستنقع التنازلات.
كانت نكبة اخطر من نكبة 1948 لانها كرست في وعي قطاع كبير من النخب العربية لاسيما السياسية ان الكيان الغاصب اصبح واقعا لابد من التعاطي معه في احسن احتمال على ارضية حل الدولتين.
لقد كان من المفترض ان نتحرر من افكار الهزيمة ونخب الهزيمة وتيار الهزيمة.. كان من المفترض ان ينهار المنهج والافكار والاشخاص وينسحبوا من حياتنا تماما فما وقع كان اكبر بكثير من اسلوب المجاملات التاريخية القاتلة.. الا ان التلفيق عاد من جديد يتسرب الي الافكار والنخب..
ولكن رغم التحدي الكبير الا ان الشعب الفلسطيني وطلائع التحرير في الامة ظلت تكتنز اليقين ولم تهزها التحديات العاصفة ولم تتنازل عن حرف من جملتها المقدسة فلسطين الكاملة فكان انطلاق الثورة الفلسطينية بمعان جديدة وروح جديدة وافكار جديدة فاحدثت خلال اشهرها الاولى قفزة نوعية للروح المعنوية ولارادة القتال فكانت الرد الطبيعي المنطقي للامة وللشعب الفلسطيني على الهزيمة النكراء ولتعلن من جديد ان الامة لم تنهزم وان المقاتل العربي لم ينهزم.. ولقد كانت النكبة الضربة القاضية للفكر التلفيقي وللمناهج المفسدة الامر الذي فتح الباب امام حركات المقاومة والجهاد في فلسطين واتجاهها.. الا ان مؤامرة المهزومين اطلت براسها من جديد فاوقعت الثورة الفلسطينية في كمائن قاتلة استنزفتها وحاصرتها والجاتها الى التعديل من افكارها وثقافتها واهدافها وانتهت بها الى واقع النظام العربي وافكاره واساليبه فاطبقت النكبة على الجميع واصبح من الضروري التكفير في الانعتاق من النكبة وافكارها وثقافتها واشخاصها
ان مسيرة العودة التي تتجدد اليوم في فلسطين كلها تعني اعادة الوعي الذي تم تجميده اكثر من خمسين سنة.. لقد كسرر الوعي الشرنقة وخرج للحياة بان فلسطين كاملة لاتنازل عن حبة تراب.. وهكذا تبدأ رحلتنا الحقيقية الاكيدة و كذا يكون نصرنا لله وعلى ذلك ينصرنا الله جلت قدرته.