اليوم يكمل النائب محمد دحلان "أبو فادي" عامه الرابع والخمسين، كل عام وهو بخير، وهي أمنية بريئة لا تحمل معها إلا الرغبة في الخير لكل الناس، وهو ليس عمر الشباب اليافع بقدر أنه أقرب إلى مرحلة رصينة من حياة الإنسان، فأبو فادي الذي عرّفته وسائل الإعلام عام 1994 على أنه "الكولونيل الوسيم" بالنظر إلى أنه كان في عمر 33 عاماً يوم أن تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية، وتسلم حينها مسؤولية جهاز الأمن الوقائي في غزة، ليس أبو فادي 2015 الذي زوج هذا العام ابنه البكر فادي، وسيحتفل عما قريب بزفاف كريمته الكبرى هديل، وقريباً ربما نراه "جداً" لحفيد أو حفيدة، إذن نحن أمام رجلٍ لم تعد تغريه أمتعة الدنيا ولم يعد يبهره زخرفها، لأنه سنوات المسؤولية والاستعداد للنهايات قد شرعت أبوابها، وبالتالي لم يعد إغراء السلطة والنفوذ والجاه يحرّك فيه مشاعر قط، بقدر أنه يتوجب عليه في هذا العمر أن يتوقف ويراجع حساباته، وما أكثرها، وعلى أكثر من صعيد.
لا تروقني التسمية التي درجت عليها للأسف مواقع إعلامية فلسطينية وعربية، وكذلك فتحاوية، والتي تصر في كل مرة أن تقول "الرجل المثير للجدل"، فإثارة الجدل لا تجعل صاحبها على حق دوماً، بل تضع علامات تساؤل فيما يتعلق بمسيرته المهنية والسياسية والاجتماعية، والأفضل بتقديري هو إطلاق صفة "الرجل الذي يتحدث بشجاعة عما يعتقد الآخرون أنه محرماً"، وربما من هنا جاءت خصوماته الكثيرة باعتبار أنه "لم يعتق" أحداً من مفرداته وتشبيهاته التي يرى أنه تعرّف الشخص أو الجهة التي ينعتها، فأبو فادي معروف لكل من عايشه وعاشره أنه لا يفكر طويلاً قبل أن يطلق مفرداته، وربما ندم يوماً على هذا التعبير أو ذاك، لكنها صلابة الرجال الذي لا يتراجعون تحت وطأة الظرف، بالنظر إلى انتمائهم إلى مدرسة المؤسس ياسر عرفات، الذي كان جاهزاً على الدوام لخوض المعارك دفاعاً عن قرارات ربما جانبها الصواب، ولكنها في النهاية أصبحت قرارات وينبغي الدفاع عنها.
يدرك محمد دحلان اليوم أنه لم يتبق في العمر قدر ما مضى منه، وهذه أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن مطالبون بالتسليم بقدر الله عز وجل، صحيح أننا ندعو له بطول العمر، فهو ما يزال في نظر الآلاف مناضلاً صلباً عرف تجربة الأسر، وتجربة الإبعاد، وتجربة إدارة العمل المقاوم، وإدارة الجهاز البيروقراطي (بشقيه الأمني والمدني)، وتجربة العلاقات الدولية وقد خبرها بعد رحلة طويلة من العمل بجوار الشهيد ياسر عرفات، الذي أناط به مهمتين كانتا الأصعب في حياته، الأولى هي مهمة التفاوض مع المحتل في ظروف شائكة، والثانية هي حماية الاتفاقية التي وقعها ياسر عرفات (أوسلو) تحت وطأة ظروف ليس مثالية، وهو ما أدخل محمد دحلان الذي كان ينفذ سياسات القيادة في حينه في مواجهة مع أكثر من طرف، فتحاوي وغير فتحاوي، ولن ننسى طيلة الوقت أنها كانت تجربة ابن ال 33 ربيعاً، الذي ينظر إليه البعض على أنه ما يزال غضاً طرياً وغير ذي تجربة تذكر، وبالتالي لا ينبغي محاكمة التجربة بتجريدها من ملابسات الزمان والمكان والعمر، وهي تجربة تستحق من محمد دحلان ومساعديه أن يؤرخوا لها بالوثائق حتى تكتمل حجتهم بأنهم لم يكونوا مسؤولين عن قرارات بقدر أنهم كانوا مسؤولين عن تنفيذها، والفرق بين الأمرين شاسع والبون بينهما كبير.
تمر ذكرى عيد ميلاد أبو فادي وما يزال الوطن منقسماً، وما تزال حركتي فتح وحماس تتناوشان على كل صغيرة وكبيرة، وما يزال الوطن كله في نظر البعض مجموعة مفردات اقتصادية أو امتيازات سلطوية أو بيارات حزبية، وتمر الذكرى كذلك فيما تبدو فتح في مرحلة مخاض عسير، وهي منقسمة بطبيعة الحال، ويعلم دحلان جيداً أن لديه مريدين ومعجبين ومحبين بالآلاف، داخل الوطن وخارجه، وهؤلاء جاهزون لفعل الكثير قناعة بفكره وسيراً على نهجه في العمل السياسي والتنظيمي، وهو مدعو في كل مرة أن يظل يفتح قلبه وصدره لكل بارقة أمل تعيد وحدة فتح، وهي مقدمة مهمة لوحدة الوطن، ومن إنعاش حقيقي وجاد للمشروع الوطني، الذي لا أخاله يأنف جهود شخصية وقامة بحجم محمد دحلان في هذه الظروف العصبية، ولنا أن نتخيل فقط ذهاب الرئيس محمود عباس إلى نيويورك مخاطباً العالم بخياراته، وإلى جواره محمد دحلان، ومن خلفه حركتي فتح وحماس تحرسان المشروع الوطني وتصونان الوحدة الوطنية، وعندها فقط ندرك قيمة وحدة فتح ووحدة الوطن.
يتوجب على محمد دحلان أن يحاسب نفسه قبل أن تحاسبه المؤسسات، وقد برأته كل المحاكم تقريباً من كل ما نُسب إليه، بعد رأينا في غزة رجالاً استمات "أبو فادي" من أجل أن يضعهم في مواقع لا يحلمون بها، ولا مؤهلاتهم تسمح بربعها، وتطوعوا من أجل إقصاء محبيه من كل موقع، وبادروا إلى إجراءات لها أول وليس لها آخر من أجل إيذاء من وطّنوا أنفسهم على الاستمرار في منهجه التنظيمي، ومع ذلك، فمحمد دحلان مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بفتحاويته، والاستمرار في التحليق داخل الفلك الفتحاوي، فلا شرعية لأشخاص، الشرعية لفتح وحدها، ولا قداسة لتنظيم أو حزب، المقدس هو الوطن وحده، وفتح وغيرها من قوى العمل الوطني مجرد وسيلة اختارتها الجماهير للتحرير، وهي ليست غاية بحد ذاتها، فالغاية الوطن، ومن هنا يتوجب على مؤسسة الرئاسة ومؤسسات فتح أن تعيد النظر في هذا الملف الشائك وتخرج الفتحاويين في كل الساحات من دائرة الحرج الذي يتسبب فيه غياب دحلان عن المؤسسة، كما يتوجب على حركة حماس بالتحديد أن تعيد قراءة خلافها مع حركة فتح ومع شخص محمد دحلان من نفس المنطلقات التي توقفنا عندها، لأن أصحاب المشاريع لا يشخصنوا قضاياهم عادة إنما يجتهدون لإعمال برامجهم، وهذه غاية المراد في هذه الحالة.
دحلان اختار في كل مرة أن يواجه بدلاً من الاحتماء بالمواقع أو التحصينات التي توجبها مواقعه، وخيراً فعل عندما لجأ إلى الطرق القانونية لإثبات أن شيئاً مما قيل في حقه ليس هو الصواب، لكنه مطالب على الدوام أن يعيد النظر في كل مرة بالأدوات والأشخاص والبرامج، فرجل واحد قادر على أن يجعل شعبية دحلان في السماء وآخر قادر بعبثيته أن يضعها في خانة الانحسار، وبالتالي فإن اختيار المعاونين وحملة المشروع والسهر عليه، واختيار الطرق والأدوات اللازمة للتأثير والتغيير والتمكين، كلها مسائل لا ينبغي أن يمررها "أبو فادي" دون فحص وتبصر ودراية بما يحدث على الأرض، والأهم هو أن يظل على عهد الناس به، وفياً لقضيته ولفكره الفتحاوي، وداعية وحدة على المستوى الحركي والوطني، وناشط في كل مجالات من شأنه أن يخفف آلام شعبه ويزيل شيئاً من الغمة التي يعيشونها.
أبو فادي ... كل عام وأنت بخير
* إعلامي وباحث في الشؤون السياسية