أجل، إنها غزة خاصرة فلسطين التي لا ترفع يديها، ولا تستسلم، ولا تركع، ولا تزال تقاوم المغتصب والمفتري الاسرائيلي كمثل مقاومة العين البصيرة وعين المؤمن لمخرز المجرم الذي تحميه \"عدالة\" الولايات المتحدة الأميركية وتسكت عنه الشرعية الدوليّة وعدالة المجتمع الدولي.
أياً تكن الحجج الواهية التي امتطتها حكومة بنيامين نتنياهو، وأياً يكن حجم الخطأ الذي نسب إلى شخصين قيل إنهما من غزّة، فإن هذه الحرب التي لا تختلف بجيوشها الجرّارة وآلات الدمار التي تواكبها براً بحراً جواً عن حرب كبرى على جحم ضاحية فلسطينيّة، إنما بحقد كبير. وبكراهية لا توصف. وبوحشيّة مفتوحة الشهيّة على القتل والتدمير، فيمكن تشبيهها بحرب عالميّة ثالثة... وإن على مساحة القطاع.
وكأن نتنياهو، وعن يمينه وزير الدفاع موشي يعالون وعن يساره الواقع في غرام البنى التحتيّة اللبنانيّة وزير الخارجيّة أفيغدور ليبرمان، قد \"ارتدى\" شخصيّة هتلر، ولكن من دون شاربين، وحشَد جيوشه وما ملكت إسرائيله من أسلحة فتاكة، وتوجّه إلى حيث تحتشد جيوش الحلفاء من النورماندي إلى صحراء العلمين...
بحر من النار والهمجيّة والكراهيّة والإجرام الذي لم تعرف مثله الحرب العالميّة الأولى ولا \"شقيقتها\" الثانية، أفلتته آلة الموت والحقد في إسرائيل على هذه الغزّة التي تكاد تكون أقرب إلى ناحية متواضعة في بلد يحتلّه طغاة ومتغطرسون.
فإذا بالقطاع الذي يفطر بؤساً ويتعشّى حرماناً وينام بعيون مفتوحة يغرق ثانية، أو ثالثة، في دم أبريائه الغزّاويين الذين دبّرت لهم آلة القتل الاسرائيليّة \"قصّة\" لا تزال حتى اللحظة لا تختلف عن الفبركة والافتعال... لكي تبرّر جريمتها الجديدة التي تفوق كل وصف وكلام.
وعلى أعين العالم وتلفزيوناته الملوّنة، من الشرق إلى الغرب، وعلى مرأى ومسمع الشرعيّة الدوليّة والمجتمع الدولي حفظه الله من العين الفارغة، والرأي العام الدولي الذي قال فيه جورج برنارد شو ما عاد وردّده بالعربية الشيخ الرفيق سعيد تقي الدين: اكتشفت بغلاً يُدعى الرأي العام.
وماذا يفعل الرأي العام، وماذا تغيّر الشرعيّة الدوليّة، ما دام القاضي راضياً. وما دامت أميركا تدير ظهرها لكل ما يجري ويحصل في هذا الشرق، فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بربيبتها إسرائيل؟ حطّ بالخرج.
إن ما ترزح تحت ويلاته غزّة اليوم هو نتيجة \"تدبير\" و\"توقيت\" و\"تفاهم\" واسع النطاق، وليس في الإمكان حصره: ما من دولة عربيّة قادرة على تقديم ولو مساعدة كلاميّة. فمصر همّها على قدّها بفضل واشنطن والمقيم في البيت الأبيض. وسوريا مصيبتها أكبر منها بكثير. أما العراق فمصاب بأمراض عدّة لا دواء لها. فيما ليبيا تستغيث بمجلس الأمن ليحمي مطارها الدولي على الأقل. اليمن السعيد لا يعرف السعادة. تونس عاودتها انفلونزا الانتحاريّين.
ومن جهتنا، لبنان لا يستطيع أن ينتخب رئيساً للجمهورية، فأية مساعدة تنتظر منه؟ أعان الله غزّة وأهلها على هذه البليّة.
عن النهار اللبنانية