الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مصر: ترييف السياسة

في مصر، ليس ممكنا أن نبني عمرانا سياسيا، ولكن يمكننا بناء سياسة تحكمها العمارة من أجل خيال جديد لما هو مدني في مجتمع ما بعد الثورات الجديد، وفي ما نظنه ونتأمله على أنه الدولة الجديدة. ترى لماذا نسينا المدني في توصيف وظيفة «المهندس المدني»؟ ولماذا نسينا المدنية في «الهندسة المدنية» وبنينا ما يشبه القرى الريفية والمجتمعات المغلقة في التجمعات القاهرية من القاهرة الجديدة إلى مدينة أكتوبر والتجمع الخامس إلى آخر هذه المجتمعات المغلقة؟ وهل وجود حملات المرشحين ومقارها في تلك التجمعات أو المنتجعات فيه إعادة لتعريف ما هو داخل السياسة وما هو خارجها.. أي إعادة تعريف للدولة بصيغتها الجديدة؟ وما هو حجم المدنية في تلك الدولة الجديدة التي يحكمها عمران التجمعات والمنتجعات؟ هل معنى التجمعات المحيطة بالقاهرة وانعزال النخبة الحاكمة هو أن الدولة أدارت ظهرها للقاهرة القديمة كنوع من الإهمال والتجاهل.. أم أن الداعم الدولي، من أوروبيين وأميركيين، هو من فرض فكرة الخروج من القاهرة إلى الصحراء المحيطة؟

كان رئيس «الإخوان» محمد مرسي يسكن في التجمع الخامس، وكان مكتب الإرشاد على ربوة المقطم. ولكن ليس مرسي وحده من خرج، فقد خرج من قبله نظام مبارك إلى المدن الجديدة. ودائما في الخروج المصري رسائل سياسية عن النظام القديم وعن طبيعة النظام الجديد. فقد خرجت من قبل ملكة مصر الجميلة نفرتيتي مع إخناتون من طيبة (الأقصر حاليا) إلى تل العمارنة في المنيا في 1335 قبل الميلاد، وكانت أسباب الخروج عقائدية، حيث تحولت عبادة المصريين من عبادة آمون إلى عبادة قرص الشمس أو آتون. والعمارنة رغم أنها تقع ضمن محافظة المنيا، فإنها أقرب إلى أسيوط حيث تقع نحو 58 كيلومترا جنوب المنيا. ولم يكن خروج إخناتون هو الخروج الوحيد، وإنما خرج موسى وقومه، وكان خروجا مختلفا، لكن الفكرة هي أن في الخروج سياسة ومعمارا. خروج النخب المصرية اليوم، والتي يرتبط معظمها بعصب الدولة، ليس كخروج موسى، فلا طور هناك، وخروج جماعة التجمعات ليس كخروج مبارك وعائلته إلى شرم الشيخ، فقد كان خروجا كبيرا أدى إلى انعزال الفرعون عن الكهنة، فسقطت الدولة في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 وما بعده.

خروج مبارك إلى شرم، وخروج مرسي و«الإخوان» إلى التجمع الخامس والمقطم، والآن تدار حملة المشير عبد الفتاح السيسي من التجمع الخامس، وحملة حمدين صباحي من مزرعة جرانة حيث كان يقيم البرادعي.. كله خروج يطرح تساؤلات عن طبيعة الدولة الجديدة.. فهل ستكون كالبيوت القديمة في الجمالية حيث ولد السيسي وترعرع، وهي بيوت نوافذها على الداخل، أم أنها عمارة جديدة ترغب في البعد عن زحام القاهرة وصخبها من أجل هدوء المنتجعات، وفي هذا معنى إدارة ظهر الحكم للدولة والمجتمع؟

المشير السيسي في لقائه مع شرائح المجتمع المختلفة قال إنه يحس بالفقراء ومن يسكنون في العشوائيات.. ولكن من يديرون الدولة يسكنون في المجتمعات المغلقة. الأغرب في الأمر أن حملة المشير السيسي في التجمع لا تذهب إلى الوطن، بل يذهب الناس إلى مقرها في التجمع فرادى ومجموعات، في ظاهرة تشبه الحج السياسي. مفهوم أن المتطلبات الأمنية للمشير عالية، وأنه مطلوب من «الإخوان» والجماعات الإرهابية، ولكن أيضا البقاء في التجمع الخامس رسالة سياسية لها دلالتها الخطيرة على طبيعة النظام السياسي القادم.

لن يكون النظام السياسي القادم مدنيا، مثلا، فلا مدانة في التجمعات أو المنتجعات المغلقة، فالمنتجعات هي نوع جديد من ترييف السياسة. في السابق كان أهل القاهرة يشكون من تجمعات عشوائية، مثل إمبابة وبولاق... إلخ، على أنها تُريّف المدينة، أو تحول الحاضرة العربية الكبرى المعروفة بالقاهرة إلى تجمعات ريفية. خطورة الأولى كانت ترييف المدينة، أما خطورة التجمعات فهي ترييف السياسة. في ترييف المدينة غزو من الريف إلى صرة الحكم من أجل تحقيق بعض المطالب، أما في حالة التجمعات المغلقة فالحكم يهمش ليس مجتمعات المهمشين في العشوائيات فقط بل يهمش المدينة كلها.

بالطبع يجب ألا نحمل النظام السياسي المصري وحده فكرة الخروج من المدينة إلى صحراء التجمعات التي أصبحت قرى صغيرة محصنة بسياج وقوات أمن، فالحقيقة هي أن الدول الداعمة لمصر مثل أميركا والاتحاد الأوروبي هي من أوحى للنظام بفكرة الخروج، ومخطط القاهرة 2050 يحمل تلك البصمات الأجنبية. إذن فكرة الخروج ليست فرعونية تماما، وإنما فكرة فرضتها طبيعة المساعدات الخارجية لمصر ومتطلباتها.

ترى ما علاقة العمارة بالحملات الانتخابية؟

عمارة التجمعات البعيدة تؤكد على مدلولات في العقل المصري، معظمها على الأقل ليست إيجابية. فالحملة القادمة من التجمع الخامس أو من مدينة أكتوبر تحمل معنى الحملات في الكتب القديمة، كما في حال الحملة الفرنسية أو حملات البوليس ضد الخارجين عن القانون. الحملة تأخذ المعنى السلبي هنا لأنها قادمة من بعيد ومن أماكن مغلقة غير معروفة للناس. كما أنه وفي حالة محمد مرسي كان هناك مثلث التجمع الخامس والاتحادية ومكتب الإرشاد في المقطم، ولم يعرف المصريون من أيها تدار البلاد. هناك قول أيضا بأن التجمع الخامس ما هو إلا واجهة معمارية، مثل واجهات بيوتنا في الصعيد والتي كانت بالطوب اللبِن لكن لها واجهة مزخرفة للعائدين من الحج مكتوبا عليها «حج واعتمر وزار قبر النبي».. لكن الواجهة لا تشبه البيت.

طبعا سيخرج أحدهم ويقول لك «في البعد قرب»، كما يقول المتصوفة، وقد يصدق نفسه، لكن الحقيقة أن بعد هذه الحملات الانتخابية عن الناس يجعل فكرة الدولة الجديدة ذاتها بعيدة. الحملات الانتخابية تركب السيارات من تلك المنتجعات المغلقة، وتسير في طريق القاهرة الدائري، أي حول المدينة، لتطل على الناس من مدينة الإنتاج الإعلامي عبر شاشات التلفزيون ولا تمر بالقاهرة كمدينة. إذن أين المدنية في الدولة القادمة التي لا تعرف من المدينة إلا الدوران حولها؟ وحتى فكرة الدوران حول القاهرة للذهاب إلى مدينة الإنتاج الإعلامي أصبحت أمرا مشكوكا فيه، حيث يتم استدعاء الإعلاميين إلى التجمع الخامس.

عمارة الخروج الإخناتوني أو الموسوي أو المباركي لا تبني دولة مدنية بالمعنى الواسع لفكرة المدانة السياسية والثقافية، بل تؤسس لدلالات التهميش والإهمال، وفي هذا خطر ليس بالقليل، إلا إذا كانت فكرة الخروج كما الفكرة الأميركية الفيدرالية. ولا أظن أن الدولة المصرية الهيدروليكية أو المجتمع النهري يتخلى عن مركزية الحكم، وفي هذا تكون فلسفة التجمعات مخالفة لطبيعة دولة النهر منذ قيامها من آلاف السنين.

عن الشرق الاوسط السعودية

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط