اعتادت "جماعة الإخوان" ومثيلاتها من التنظيمات "السلفية التكفيرية" على امتهان الكذب والخداع، وهم يستحلون الكذب والخداع من منطلق تكفير "الآخر" باعتبارهم وحدهم جماعة المسلمين . وهم تآمروا مع من يدعون أنهم أعداء الأمة كي يصلوا إلى الحكم على أنقاض الثورات أو الانتفاضات الثورية التي شهدتها دول عربية عدة، خاصة تونس ومصر واليمن وليبيا، وتآمروا معهم كي يحتكروا السلطة دون غيرهم، بعد أن قدموا الثمن الذي يريده الحليف الأمريكي وهو حماية أمن ووجود الكيان الصهيوني، والتأسيس لتحالف استراتيجي مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، يكون بمثابة وكيل للدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي مقدمة هذه المصالح الكيان الصهيوني .
فعلوا ذلك وهم يروجون لأكاذيب الجهاد ضد الكيان الصهيوني وشعارات من نوع "على القدس رايحين . . شهداء بالملايين" . كان نموذجهم المفضل في الاحتذاء هو الثورة الإيرانية التي لم يعلموا عن أسباب انتصارها ضد نظام الشاه إلا سببين، أولهما: سياسة التطهير، وكانوا يقصدون بها السيطرة والهيمنة الإخوانية الكاملة على كل مواقع السلطة والقوة في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وإبعاد كل قيادة ليست إخوانية أو ليست حليفة للإخوان، باعتبار أنهم "الأطهار المبرؤون من كل إثم"، وأن غيرهم "ملوثون" بالفساد . وثانيهما، سياسة الاختراق، وكانوا يقصدون بها اختراق الجيش وجهاز المخابرات العامة في مصر .
ولا أذيع سراً إذا قلت إنني شخصياً استمعت إلى تصريحات شديدة الخطورة بهذا الخصوص في جلسة عارضة في أحد مراكزهم البحثية وقت أن كان محمد مرسي رئيساً لمصر . في هذه الجلسة تحدث بعض قيادات الإخوان من جيل الشباب باستفاضة عن هاتين السياستين، عندما قالوا إن "الثورة في مصر لن تنجح إلا إذا سارت على طريق الثورة الإيرانية"، وعندما سألتهم ماذا تعرفون عن الثورة الإيرانية وما هي، من وجهة نظركم في السياسات التي اتبعتها الثورة الإيرانية وكانت سبباً في نجاحها؟ وكان ردهم: "التطهير والاختراق" . تحدثوا عن التطهير لكنهم استفاضوا في توضيح ماذا يقصدون بسياسة الاختراق، وعبروا عن استيائهم من تردد قيادة الإخوان في اختراق الجيش والمخابرات في مصر، وقالوا: "لقد نجحنا في اختراق الشرطة، ولا بد من اختراق الجيش والمخابرات كي نحمي الثورة . . لقد تدربنا على اختراق وإدارة المخابرات، وأخذنا دورات في دولة عربية على العمل المخابراتي وإدارة الجهاز، ونستطيع أن نسيطر عليه ونديره" (!) .
كان هذا هو مخططهم للسيطرة على الحكم في مصر، واحتكاره لمشروعهم الذي لا يختلف كثيراً عن مشروع تنظيم "داعش"، أي إقامة "الخلافة الإسلامية" على أنقاض الدول العربية القائمة، سواء كانت خلافة إخوانية أو خلافة سلفية، فإن المنطلق واحد، أنهم وحدهم المؤمنون والمسلمون وغيرهم كفار . لذلك كانت صدمتهم بثورة 30 يونيو التي تحالف فيها الجيش مع الشعب لاسترداد مصر وثورة 25 يناير، وضرب مخطط الإخوان الرامي إلى إسقاط الحكم في كل الدول العربية، وإسقاط النظام العربي، والتأسيس لنظام بديل هو نظام "الخلافة الإسلامية" .
تحالف "الإخوان" مع "داعش" وهو التحالف المدعوم أمريكياً وأوروبياً وبما يؤكد أنهم كلهم "يشربون من الإناء نفسه"، كلهم أبناء مشروع "التكفير" و"الخلافة الإسلامية" على غرار ما يحدث الآن في العراق وسوريا وليبيا من استباحة دماء وأرواح وأموال المسلمين وغير المسلمين، باعتبار المسلمين مرتدين، وأن غير المسلمين من الكفار .
وكما أدمنوا الكذب والتزييف واستحلوهما، اعتادوا أيضاً على حشد الغزوات، ابتداء من "غزوة الصناديق" في منتصف عام 2012 التي حسموا فيها خيار: "الدستور أولاً أم الانتخابات؟" . كانوا يريدون الانتخابات قبل الدستور ليكونوا هم من يصيغ الدستور على أهوائهم، ومنع أي نص يمنع قيام الأحزاب بمرجعية دينية . في ذلك الوقت كانوا يروعون الناس بعقاب جهنم والخلود في النار إذا هم اختاروا الدستور أولاً، استخدموا الدين لفرض ما يريدون حتى ولو بالكذب والتضليل . وبعد غزوة الصناديق جاءت غزوة القصور الرئاسية والجرائم التي ارتكبوها أمام قصر الاتحادية بحي مصر الجديدة بالقاهرة ضد المتظاهرين السلميين الذين كانوا يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة لحسم الخلاف حول رئاسة محمد مرسي . وبعد غزوة القصور جاءت غزوات الميادين قبيل وبعد ثورة 30 يونيو 2013 ابتداء من الاعتصامات الدامية في ميدان رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، وامتداداً إلى معظم الميادين والأحياء المصرية، حيث قتلوا وأحرقوا ودمروا كل ما استطاعوا، والآن جاء الدور على "غزوة التسريبات" وبالذات التسريبات الأخيرة التي ركزت على علاقة نظام الحكم في مصر مع الدول العربية الخليجية الشقيقة .
كان تركيزهم على مدى الأشهر الماضية منذ 30 يونيو 2013 على هدف إسقاط النظام، وشكلوا جماعة أسموها "ضنك" هدفها تيئيس المصريين من دعم النظام الجديد، أو ما يسمونه "نظام الانقلاب"، فاستخدموا كل ما هو غير مشروع وغير أخلاقي وغير وطني، كانوا يخططون لثورة مضادة حددوا موعدها يوم 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 أسموها ب "ثورة شبابية إسلامية"، وتحالفوا مع "داعش"، وكانوا سعداء بمجزرة العريش الأخيرة، وقبلها جريمة "كرم القواديس" بالقرب من الشيخ زويد في شمال سيناء، وبعد أن فشلوا في كل أهدافهم بدأ التخطيط للإساءة بين مصر والدول العربية الشقيقة في الخليج، باعتبار أن هذه الدول أصبحت من أهم مرتكزات الاستقرار في مصر، من خلال ما تقدمه من دعم مادي ومعنوي، سياسي وإعلامي، اعتقاداً منهم أن تدبير وقيعة بين القيادة والحكم الجديد في مصر مع قادة دول الخليج سوف يفقد النظام الجديد أهم نجاحاته .
بدأت غزوة التسريبات المعلوماتية المزيفة والمدبّرة هذه بحملة تسخين دعائية لتهيئة الرأي العام العربي، وخاصة في الخليج، أن هناك "فضيحة مدوية" تتضمنها تسجيلات مسرّبة للقيادة المصرية واتصالات هاتفية مرصودة، تبين سوء مقاصد النظام الجديد في مصر ضد الدول الخليجية الداعمة له، وضد الشعب المصري المؤيد والمناصر للنظام والمعادي للإخوان، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إساءة العلاقة بين الدول الخليجية ومصر، وعلى الأخص قبيل انعقاد مؤتمر شرم الشيخ المخصص لدعم الاقتصاد المصري، وإجهاض كل النجاحات التي حققتها جولة الرئيس السيسي في عدد من الدول الخليجية، وعلى أمل أن تؤدي إلى تبديل الولاءات الشعبية للنظام إلى ولاءات للإخوان .
ولحسن الحظ كان الأشقاء في الخليج جميعهم، وربما باستثناء محدود ومتوقع، على قدر عال من المسؤولية والوعي بحقائق ومخططات التآمر الإخوانية، وسرعان ما جرى الرد والتأكيد على متانة العلاقات مع مصر على لسان كبار القادة والزعماء في الخليج، بعد اتصالات أجراها الرئيس السيسي ورئيس الحكومة المهندس إبراهيم محلب .
فشلت غزوة التسريبات بفضل وعي وأصالة قادة الخليج، وبفضل غباء الإخوان وأجهزة دعاياتهم الفاشلة التي لم تستطع إخفاء التزييف في تسريباتها، لكن مؤامراتهم لن تتوقف لا من أجل الإساءة للعلاقات الخليجية المصرية، ولا بتهديد أمن واستقرار مصر ودول الخليج، وهذا بدوره يفرض على الجميع التعاون المشترك لدحر الإرهاب الذي يتهدد الجميع بكل تنظيماته التكفيرية، وتأسيس العلاقات المصرية الخليجية على قاعدة من "توازن المصالح" و"التحالف الاستراتيجي" المشترك أمنياً ودفاعياً . فالعلاقة القائمة على المصالح المشتركة المتوازنة هي التي تهيئ فرص التحالف الاستراتيجي، ومثل هذا التحالف سيكون قادراً ليس فقط على ردع وهزيمة كل مؤامرات الإخوان وحلفائهم، بل وعلى تحقيق الأهداف المشتركة في التقدم والنهوض المأمول .
عن الخليج الاماراتية