تاريخ النشر: 2016-11-19 | 09:23
تاريخ النشر: 2016-11-19 | 09:23
منطقتنا مشتعلة, مهددة بالانقسام, وانهيار الدولة القومية وتفشي الإرهاب وتوطنه في أرجاء عالمنا العربي, ويتزايد عمق المأساة الإنسانية واتساعها من قتلي ونازحين ولاجئين, وقصف لا يهدأ من كل الأطراف له ضحايا بالعشرات يوميا، وسط تداخل محموم للمصالح الإقليمية وظهير كل منهما الدولي, وقوي محلية تتنافس لتحقيق أهداف متعارضة, ويبدو أن الكل خاسر لا محالة, ولا سبيل لقوة محلية أو إقليمية أو دولية أن تحقق أهدافها علي حساب منافسيها, صار غباء المواجهة العسكرية واضحا ومكلفا, وأدرك الكل أن المعادلة الصفرية مستحيلة, وأنه لا سبيل إلا الحل السياسي الذي يضمن لكل طرف الحد الممكن من المكاسب, والتي تتوافق أو تتسق بما لا يضر بمصالح باقي الأطراف .
والنزاعات في سوريا والعراق واليمن وليبيا متشابهة ومتشابكة, لكن أطرافها تكاد تكون واحدة, فلكل من طرفي الصراع من اللاعبين الدوليين الولايات المتحدة وروسيا مصالح متعارضة, يوظفون لتحقيقها أطرافا إقليمية ومحلية، فاستخدمت المعارضة الوطنية المحلية, وأضيفت لها جماعات سلفية جهادية مسلحة وتنظيمات إرهابية في معركة بدأت لنيل حق مشروع في الديمقراطية والمشاركة السياسية لتنتقل بعد ست سنوات لمشروع مختلط لأهداف قوي إقليمية تسعي للقضاء علي نظام بشار الأسد وكسر تحالفه مع إيران وأبعادها من خلال مسار سياسي يخلو من الأسد, وعلي المستوي الأكبر كان للولايات المتحدة مصلحة أهم تستهدف من ناحية إبعاد روسيا عن الشرق الأوسط بحرمانها تحديدا من قاعدتها البحرية في طرطوس, وفشلت بل انتهي الأمر بأن عمقت روسيا من وجودها البحري في طرطوس وفي عموم المتوسط وجويا في قاعدة حميميم، وانخرطت قوي إقليمية في معركة إزاحة إيران من سوريا واليمن فتشبثت إيران بمواقعها وساندت مناصريها عبر خريطة التحالفات الإقليمية والمحلية المتداخلة نظامي الأسد والحوثي وصالح, كما عبر نمط آخر للتحالفات عن نفسه في ليبيا والتي باتت تحكمها إرادتان وحكومتان وجغرافيتان شرقا وغربا, ملخص هذا المشهد المأساوي المتقاطع المصالح انه لا خروج منه بالقوة المسلحة وأنه ليس طرفا محليا كان أو إقليميا أو دوليا أن يفرض إراداته علي الأخر, فقد وعت روسيا درس ليبيا ولم تعد لتسمح بتكراره في سوريا، وأظهرت أن معركتها هناك مصيرية، وتختلط في مدينة حلب كل المصالح والأطماع وتنوع الأهداف.
الوصف الدقيق للمشهد الإقليمي وتداخلاته وتنوع أهداف أطرافه, معقد بما فيه الكفاية, لكن هناك حقيقة باتت واضحة للجميع، وهي أنه يصعب علي طرف تحقيق انتصار علي طرف آخر كما وإن مواجهة هذا التوغل الاقليمي لا يكون بقوة السلاح، فلحظة التكافؤ الإقليمي والدولي تلك هي فرصة نادرة لنبحث مصيرنا ومستقبلنا المشترك.
وأري دلالات كبري في الشكل الجامع لاجتماع لوزان الآخر بشأن سوريا وفيه اجتمعت كل الأطراف الإقليمية والدولية علي مائدة واحدة، السعودية وإيران وتركيا ومصر والعراق والأردن والولايات المتحدة وروسيا الاتحادية بوجود الأمم المتحدة لبحث سبل الخروج من الأزمة، واهم ما في صيغة لوزان أنها أدركت وللمرة الأولي انه لا سبيل عن مجلس جامع يضم كل الأطراف وعلي مائدة واحدة والتحاور و بناء الثقة.
والاجتماع الثاني كان في باريس بدعوة من وزير الخارجية الفرنسي لنفس الأطراف الإقليمية والدولية لبحث مستقبل الموصل بعد تحريرها, وهنا مجدداً تتبلور المقاربة الإقليمية لتسوية نزاعات المنطقة فالأطراف محلية وإقليمية ودولية متداخلة بأجندات متشابكة تستدعي حوار يقود لحل خيوط العقدة وإرساء مبادئ جديدة للحوار وحسن الجوار.
دعت مجلة «الفورين افيرز» في عددها بتاريخ 15 أكتوبر الماضي لمؤتمر سلام شامل مشابه لمؤتمر «ويستفيليا» في أوروبا والذي وضع نهاية حرب الثلاثين عاما (1618 ــ 1648) والتي تصارعت فيها دول أوروبية عدة في مواجهات دامية اختلطت فيها المصالح الاقتصادية والخلافات الدينية والمذهبية والأطماع الإقليمية في الأرض والسكان وما كان هناك سبيل للخروج من الدوامة إلا عندما جلس كل الفرقاء المتحاربين علي مائدة واحدة في مقاطعة «ويستفيليا» الألمانية.
وبالفعل قاد هذا المؤتمر الأطراف كافه للخروج بأوربا علي النحو الذي نراه اليوم وأبعد عنها مخاطر ومآسي الحروب لعشرات السنين وأرسي دعائم التعايش وثبت كيان الدولة القومية و السيادة الوطنية .
المقاربة الإقليمية الشاملة حاضرة في التاريخ والدرس المستفاد من سلام «ويستفيليا» هو أن السلام بين الأطراف المتصارعة ممكن تحقيقه بصرف النظر عن تعقيدات الصراع وعمقه ومدته ويسهم خبراء ودبلوماسيون وعسكريون ذوو مكانة في تقريب وجهات النظر وطرح حلول محايدة لا تنتصر لطرف علي أخر في رعاية الطرف الوسيط (الأمم المتحدة) للتوصل لتوافقات حول مختلف القضايا. وأكد رئيس وزراء فرنسا الأسبق ووزير خارجيتها دومينيك دوفيلبان بطل جلسة نقاش مجلس الأمن الشهيرة حول العراق في كلمته اخيرا في مؤتمر للأمن والسلام ببكين أهمية المقاربة الإقليمية وأن غياب لغة الحوار بين الأطراف الفاعلة فيه نجم عنه الصراعات الحالية ودعا الأطراف وعلي رأسها السعودية وإيران ومصر وتركيا والولايات المتحدة وروسيا للبدء في حوار يستهدف الاندماج لا السيطرة, وأن يبدأ الأطراف حوارهم وفقا لمقاربة مشابهه لإعلان مبادئ هلسنكي عام 1975 في الحالة الأوروبية, ويكون من بين الأنشطة التعاون مستقبلا في المجالات الاقتصادية بين دول المنطقة مثلا في مجال البترول والغاز, كما بدأت أوروبا في مجال التعاون المشترك بالحديد والفحم وأضاف أن التعاون المشترك بين الفاعلين الرئيسين هو خيار المستقبل. ولعل الحل الوسط الذي تم اعتماده في لبنان أظهر أهمية التراضي الإقليمي لتمرير حلول مقبولة, ولعل الفرصة سانحة في التلاقي الظاهر بين الرئيسين ترامب وبوتين .
وأري من المناسب أن تبحث مصر، وهي الأجدر عن تبني تلك الرؤية والترويج لها, فهي الطرف الذي يقف في مساحة مقبولة من كل الأطراف فيمكنها أن تدعم الاقتراب الإقليمي والدولي لحل نزاعات المنطقة ضمن إطار شامل في مؤتمر جامع في مدينه السلام في شرم الشيخ. يحتاج الشرق الأوسط في محنته لفكر خلاق ولإرادة من اجل البقاء ولدور مصري رائد تتحمل فيه مسئولياتها تجاه منطقتها دعما لسعيها الدءوب من اجل استقرارها واستقرار شعوب المنطقة .
عن الاهرام