تاريخ النشر: 2020-03-10 | 08:43
تاريخ النشر: 2020-03-10 | 08:43
قال لى الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فى حضور مستشاره القدير الدكتور عبدالرحمن السعيد: «إذا أردت أن تفهم أسلوب الحكم فى السعودية اليوم عليك أن تتعمق فى تاريخها الحديث، ولا تغفل ولا تنسى أن خلف هذا الحكم دولتين؛ الأولى والثانية، وأن عمر هذه العائلة بدأ منذ العام 1744 ميلادياً عندما أسسها محمد بن سعود فى الدرعية».
ظلت نصيحة الملك عبدالله، رحمه الله، تسيطر على أفكارى وقلمى كلما حاولت أن أفهم وأكتب أو أحلل أى قرار كبير أو تغيير جوهرى فى توجهات هذا البلد المؤثر والمهم.
من هنا إذا أردت أن تفهم بالعمق عليك أن تعود -على الأقل- إلى فهم شخصية، ومبادئ، وسياسات الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.
الملك عبدالعزيز، صاحب عبقرية فطرية، أدت إلى مشروع توحيد المملكة من نجد إلى الحجاز، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الصحراء إلى البحر، ومن «الدرعية» إلى مكة والمدينة، وبالتالى أصبح محور الحكم هو مليك البلاد، الذى يقود عائلة آل سعود بمباركة علماء الدين.
وحَّد الملك عبدالعزيز البلاد بالكلمة، وبالسيف، وبالحكمة، وبالرعاية الاجتماعية، وقبل أى شىء بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
وحَّد القبائل جميعها، وأوجد خيطاً متيناً لا ينقطع من المحبة والثقة والمصالح، وأيضاً من المصاهرة.
صاهر الملك المؤسس أهم القبائل فى البلاد مثل الشريم، السديرى، بن جلوى، العسيرى، الفجرى، العريعر، آل الشيخ، بن دخيل، وأنجب منهن 89 ولداً وبنتاً.
كل ملوك السعودية منذ وفاة الملك المؤسس هم من أبنائه: سعود، فيصل، خالد، فهد، عبدالله، رحمهم الله، وآخرهم سلمان، أعطاه الله الصحة.
أهمية معرفة الأنساب من الأب والأم والمصاهرة، والمنطقة، والقبيلة، والنشأة والتعليم، هى المدخل المناسب والأكثر عمقاً لمعرفة وفهم طبيعة الحاكم والحكم فى السعودية، وهى أداة قياس صحيحة لمعرفة قانون الفعل ورد الفعل لديه.
جميع ملوك المملكة كانت لديهم خطوة متقدمة ومحسوبة للإصلاح:
1- الملك عبدالعزيز: التوحيد والتأسيس والدولة.
2- الملك سعود: إنشاء مجلس الوزراء، ووزارة المعارف، وتوسعة الحرمين المكى والمدنى.
3- الملك فيصل: التعليم والتحديث وإدارة النفط والاقتصاد وتأسيس الإعلام.
4- الملك خالد: توزيع عوائد الطفرة النفطية على أوسع قطاعات من المجتمع.
5- الملك فهد: توسعة الحرمين، تحرير الكويت، بناء اقتصاد حديث، نظام البيعة ومجلس التعاون الخليجى.
6- الملك عبدالله: الحوار الوطنى، تحسين الأجور والخدمات، مبادرة السلام العربية.
هنا نأتى عند آخر ملوك المملكة وهو الملك سلمان المولود فى 31 ديسمبر 1935، الذى قرر أن يحدث نقلة نوعية، خارج الفكر التقليدى، بطريقة مغايرة لما هو معتاد ومتوارث، وهو قراره باختيار أمير شاب ينتمى لجيل يمثل ثلثى أعمار المجتمع، وينتمى -أيضاً- إلى جيل الأحفاد للملك عبدالعزيز، متجاوزاً جيل الأبناء.
يعرف الملك سلمان ذلك بخبرته كأقدم موظف عام فى الحكم استمر لمدة 60 عاماً فى الوظيفة العامة.
جوهر فكر الملك سلمان يقوم على معادلة سمعتها منه شخصياً عام 2002: «علينا أن نطور أسلوب حكمنا وإدارتنا لشئون البلاد بأنفسنا، وذلك بإعطاء الفرصة فى الحكم للجيل الذى يعبر عن مجموع وتطلعات الشباب والشابات».
ما لم يقله الملك سلمان، ولكن يمكن فهمه، هو أنه يتعين على الحاكم أن يدرك ضرورة التغيير ويحدثه بنفسه بدلاً من أن يُفرض عليه.
وفى 21 يونيو 2017 أصبح الأمير محمد بن سلمان، المولود فى أغسطس 1985، والمعبر فكراً وعمراً عن أكثر من ثلثى التركيبة السكانية فى البلاد من الشباب والشابات، ولياً للعهد.
لم يكن الأمير الشاب، فى فكره، وأهدافه، ورؤيته، تقليدياً بالمرة.
لم يكن الأمير الشاب من هؤلاء الذين يفكرون من داخل الصندوق التقليدى، ولكن فاجأ الجميع بالتمرد على كل ما هو معتاد وتقليدى.
وإذا كان كل من سبق يقود سيارة الإصلاح بسرعة 80 كيلومتراً فى الساعة، فإن الأمير الشاب كان يقودها بضعف هذه السرعة بإصرار وعزيمة على الوصول إلى وجهته، مطبقاً شعار «أمامى احتمالان لا ثالث لها: إما أن أنجح أو أن أنجح».
فكرة الفشل لا تعرف عقل أو قلب أو نفسية محمد بن سلمان.
ومن أجل النجاح وإحداث نقلة التغيير الشامل فى مجتمع تقليدى، يسيطر عليه العرف والموروث، والحذر الشديد فى التحول، لم يقف أمامه أى عائق كبير أو صغير، قريب أو مقرب، مسئول أو ثرى، لإنجاز مشروعه الطموح مهما كان الثمن أو المخاطر.
ومثل كل مشروع تغيير جذرى فى أى مجتمع تقليدى، فى أى زمان ومكان، يظهر المؤيد والمعارض، ويظهر المستفيد والمتضرر، ويظهر الفاهم المتعاطف، وغير المستوعب الرافض.
تلك هى مرحلة الانتقال الأساسية منذ صيف 2017 من مجتمع إلى آخر، ومن مشروع حكم إلى مشروع جديد.
ح2
يخطئ خطأً فادحاً فى الفهم والتحليل من لا يدرك محورية ومركزية ومكانة وهيبة وسلطات الملك فى المملكة العربية السعودية.
الملك، الحاكم، ولى الأمر، الذى كان منذ أكثر من 300 عام إماماً، أميراً، سلطاناً، ملكاً، ثم أصبح خادماً للحرمين الشريفين، هو صاحب القرار الأول للبلاد والمسئول الأساسى عن شئون العباد.
باختصار شديد، الملك هو الملك يختار ولى عهده، يشكل حكومته، يسمى أمراء المناطق، هو صاحب الكلمة الفصل فى شئون الحرب، مثلما فعل الملك فهد، رحمه الله، فى حرب تحرير الكويت، ومثلما فعل الملك سلمان، أعطاه الله الصحة، فى حرب اليمن، ومثلما قرّر الملك عبدالله، رحمه الله، فى مبادرة السلام العربية، ومثلما فعل الملك فهد فى إطلاق مبادرة الملك فهد للسلام فى قمة المغرب.
ملوك السعودية من الملك المؤسس عبدالعزيز، سعود، فيصل، خالد، فهد، عبدالله، سلـمان، لا يتخذون قراراتهم العليا سهواً أو بالصدفة أو بالمجاملة أو بالرغم عنهم.
قرارات البلاد العليا والرئيسية مركزها الملك، وهى تعبير صادق وكامل عن إرادته.
وتعلم جميع أبناء الملك عبدالعزيز من الملوك الذين خلفوه، أنه بالرغم من قوة السلطة الممنوحة لهم بحكم المنصب والعرف السياسى، والهيبة والمكانة فإنهم فى قراراتهم يراعون بدقة مجموع الشعب، والعائلة، والعلماء، والقبائل، والعادات والتقاليد، وحركة الأسواق، ومصالح رجال الأعمال والتجار، والعلاقات مع الجيران، ومكانة السعودية كأرض الحرمين، والعلاقات المميزة مع بعض العواصم الكبرى.
كل ذلك وأكثر يوضع فى الاعتبار.
الملك بالنسبة للعائلة هو والد الجميع، أمراء وأميرات، شيوخاً وشباباً، من النسب القريب أو الأبعد.
التراتبية، أى الترتيب الدقيق فى العائلة المالكة يتم احترامه بشكل صارم ودقيق لا يعرف التهاون أو المجاملة، فالترتيب من أعلى إلى الأقل، يسير بانضباط حديدى: الملك بعده ولى العهد، بعده ولى ولى العهد، بعدهم الوزراء وأمراء المناطق.
الترتيب فى العائلة: أصحاب السمو الملكى، ثم أصحاب السمو، ثم الأمراء، ثم النسب والمصاهرة.
السن لها مكانتها الكبرى فى البروتوكول فى ترتيب الجلوس بالمجالس، فى التقديم والتأخير بالمناسبات العامة، لكن عند الحكم، يحترم الجميع النظام العام، وإرادة الملك فى الاختيار والتعيينات، وفى عهد البيعة للملك وولى عهده.
هذه المقدمة مهمة للغاية لكل من يتفلسف فى التحليل السياسى لمجريات الأمور فى الشأن السعودى وهو غير واعٍ بها، غير متعمق لها.
لكن دائماً وأبداً استتباب الحكم واستقرار البلاد وقوة السلطة، وسيادة البلاد عند الملك، أى ملك سعودى لا تعرف كبيراً أو صغيراً.
من هنا أيضاً يمكن فهم معنى مبدأ الشورى فى السعودية، سواء جاءت من مواطن أو أمير أو وزير أو مستشار فى الديوان الملكى أو ديوان مجلس الوزراء. فى النهاية الشورى متاحة، لكنها شرعاً وعرفاً ليست ملزمة للحاكم، فهو يسمع ويستمع، لكنه بوصفه ولى الأمر المسئول أمام الله والشعب، يتخذ قراره ويتحمل نتائجه.
من هنا نجد كثيراً من المحللين الأمريكيين والأوروبيين قد وقعوا فى مطب إسقاط قواعد الحكم الأنجلوساكسونى على تحليلهم السياسى لما سموه التيارات، أو الأجنحة، أو تضارب المؤسسات، أو صراع القوى.
الصواب فى فهم هذه المسألة أنه إذا كان مليك البلاد فى السلطة، وبالقدرة الصحية لأداء مهامه، فإنه يسيطر على جميع عناصر القرار.
هل هذا يعنى أن قرار الملك فى السعودية فردى مطلق؟
الإجابة بالطبع لا، فالملك يرأس الحكومة بحكم سلطاته، وكل يوم اثنين يستمع إلى تقارير أفراد الحكومة، ولديه فى ديوان مجلس الوزراء والديوان الملكى مئات من المستشارين الخبراء ذوى الكفاءة من كل التخصّصات، ولديه مجموعة من القانونيين الذين يحصنون الأوامر الملكية، وقرارات الحكومة ضد أى تجاوز للنظام العام، أو القانون السارى فى البلاد.
من هنا أيضاً، يمكن التأكيد المطلق على أن جميع قرارات الإصلاح والتحديث، أو إطار رؤية 2030، وحرب اليمن، والموقف من دول المنطقة، والمواجهة مع قطر وإيران وتركيا وأدواتها فى المنطقة هى تعبير عن الملك وولى عهده ومستشاريه وحكومته، لكن تبقى القوة المرجحة لأى قرار بشكل نهائى هى إرادة الملك.
وحينما بدأت إجراءات الإصلاح الشامل فى عهد الملك سلمان، وولى عهده الأمير محمد، فإن هناك من استوعبها تماماً، وهناك من أخذ وقتاً للتكيف معها، خاصة إذا كان ينتمى لمرحلة سنية متأخرة، أو ينتمى لمناطق بعيدة عن المدن الحضارية، أو ما زال متأثراً بطبيعة العلاقات الاجتماعية الشديدة فى المحافظة، أو الموغلة فى التشدّد الفكرى أو الدينى.
مثل كل تغيير جذرى وشامل فى نظام الاقتصاد، وفى شكل العلاقات الاجتماعية، وفى تطوير أساليب جودة الحياة، نجد من هو سعيد بحاضره، متفائل بمستقبله، وهناك من يرى أن القديم والأقدم «الماضوى» هو المناسب له.
قوى التغيير فى المملكة تحكمها التركيبة الديمقراطية من ناحية العمر، ومن ناحية التعليم، ومن ناحية الجنس (ذكوراً وإناثاً).
الأرقام، وهى أصدق برهان، تؤكد الحقائق وتحسم المسألة لصالح سياسات الإصلاح والتحديث.
آخر تعداد للسكان يقول رسمياً إنه فى عام 2017 كان مجموع سكان المملكة 31.94 مليون مواطن ومواطنة. وتشير بعض الدراسات إلى أنهم وصلوا الآن إلى 33 مليوناً، وتبلغ نسبة الشباب (من 15 سنة إلى 34 سنة) 36.7٪ من السكان، مناصفة بين ذكور وأناث ينتشرون فى جميع مناطق البلاد بنفس النسبة تقريباً، أعلاها فى المنطقة الشرقية، حيث تبلغ نسبة الشباب والشابات 38.4٪ من السكان.
ومقارنة بالإحصاءات العالمية، فإن نسبة الشباب إلى السكان هى الأعلى عالمياً، فالإحصاءات تقول إن السعودية هى الأعلى فى أكبر 20 دولة فيها نمو سكانى للشباب، فالأدنى هى اليابان 20٪ والأقرب هى المكسيك 33٪.
هناك تيار ثالث، يمكن تسميته بالتيار الحذر، وهو فى أغلبه من الجيل الأوسط ذى التعليم والثقافة المنتمية إلى النخبة التى تدعم رؤية التحديث والتطور، لكنها ترى أنها كانت أسرع من قدرة المجتمع على الاستيعاب.
هذا مردود عليه بالأرقام والنتائج والملاحظة الدقيقة.
ح 3
من أكثر زعامات العالم التى تفهمت شخصية ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الذى أعجب بطبيعة الشخصية «العملية البراجماتية المباشرة» للرجل.
قال «بوتين» عن الأمير:
«إنه شخص ملىء بالحيوية ويتمتع بنشاط غير مسبوق، ولديه معرفة تامة بكيفية تحقيق أهدافه التى سيعبر بها بالمملكة لمصاف الدول الأكثر تقدماً».
وأضاف «بوتين»: «إننى أعتبر الأمير محمد بن سلمان شريكاً يوثق به ويفى دائماً بتعهداته».
كلام «بوتين» هو مفتاح لفهم ولى العهد السعودى الذى يخوض «معركة حقيقية» لتحويل السعودية التقليدية إلى «السعودية الجديدة» بكل ما يعنى ذلك من تحديات وتكاليف ومواجهات.
ويرى الأمير محمد بن سلمان أن «السعودية الطبيعية» أى المجتمع السعودى الطبيعى الذى كان يعيش أسلوب حياة مشابهاً لجميع المجتمعات حدثت له عملية انتقال سلبية عام 1979 كرد فعل لما حدث فى إيران، وتداعيات ذلك على الداخل السعودى لمواجهة التطرف المذهبى الإيرانى.
فى معركته للتحديث يراهن ولى العهد السعودى على 4 أمور:
1- مباركة خادم الحرمين الشريفين لكل توجهات وخطط التحديث.
2- وجود خطة تفصيلية طموحة وهى خطة الرؤية التى تتم على 3 مراحل 2020، و2025، حتى تنتهى إلى 2030، وذلك من خلال برامج تنفيذية مفصلة بالإجراءات والدراسات والتوقيتات الزمنية، بدأت ببرنامجين أساسيين هما «التحول الوطنى» و«التوازن المالى».
3- خطة -خارج الصندوق- تعتمد على تدعيم صناعة المحتوى المحلى، حيث إن المملكة تستهلك ما يساوى 230 ملياراً بضائع وصناعات أجنبية ثلثها تقريباً منتجات صناعات عسكرية سوف يتم تصنيعها فى الداخل.
ومن الأفكار غير التقليدية تحويل الإنفاق الضخم لملايين السعوديين السنوى فى السفر والترفيه خارج البلاد، إلى الداخل.
وأيضاً يسعى ولى العهد إلى الاستفادة من ثروة معدنية مدفونة فى باطن الأراضى تزيد على تريليون و200 ألف مليار، سوف يتم تدبير موارد لها من خصخصة شركات عملاقة مثل ما حدث مع طرح 2٪ من شركة «أرامكو».
4- الداعم الشعبى الأساسى لتوجهات حكم الملك سلمان وولى عهده هما تركيبة الشباب الذى يبلغ 38٪ من السكان ما بين 15 و35 سنة، والمرأة التى حصلت على إجراءات وامتيازات تمكين اجتماعى غير مسبوقة بدءاً من قيادة السيارات إلى حرية التنقل فى الداخل والخارج، إلى اقتحام مجالات العمل المختلفة، إلى الحريات العامة والمساواة فى كل الحقوق.
أراد الحكم أيضاً أن يعطى شعوراً بأن «السعودية الجديدة» تقوم على مبدأ أنه لا أحد فوق سلطة القانون، وأن الحكم ضد أى مفسد أو متجاوز فى المال العام حتى لو كان من العائلة أو نخبة المجتمع.
من هنا كانت تجربة ما يعرف بـ«الريتز كارلتون» التى يجب الوقوف أمامها بالتحليل.
من هنا أيضاً يمكن فهم رسالة ولى العهد السعودى التى أطلقها علناً: «لن ينجو أحد دخل فى فساد مهما كان».
وقد لا يعرف البعض أن ملفات الريتز كارلتون بدأ الإعداد لها منذ أن كان الأمير محمد ولياً لولى العهد أى فى العام 2016 واستمر إعداد الملفات عامين لمائتى شخصية بدقة وسرية شديدة لم يسرب منها حرف أو معلومة واحدة.
فى خلال التحقيق أو التفاوض مع الـ200 شخصية، تعاون 94٪ منهم فى سداد ما اعترفوا بأنه تجاوز مالى وقاموا بالسداد، وتمت تبرئة واحد فى المائة منهم، واحتكم 5٪ منهم إلى القضاء.
وتم تقدير الأموال التى تمت استعادتها إلى خزانة الدولة سواء سائلة أو ممتلكات بمائة مليار دولار أمريكى.
ويتحدث ولى العهد بشفافية حول ما يملكه شخصياً لذلك يقول «أنا واحد من العائلة المالكة، ولدىّ ما أملك، وقد اتخذت قراراً وهو أن أهب 51٪ مما أملك لأعمال ومشروعات الخير لتطوير المجتمع وتحسين أحوال الناس، وأتصرف فى بقية الـ49٪ بالشكل المناسب لى ولأسرتى».
من هنا يمكن فهم علامة أساسية فى هذا العهد السعودى، وهى سمة المواجهة والاهتمام الجرىء بملفات كانت من المحرمات الخطرة، ومن الخطوط الحمراء التى يخشى دائماً الاقتراب منها مثل:
1- تمكين المرأة.
2- الترفيه.
3- خصخصة الاقتصاد.
4- طرح نسبة من أرامكو.
5- المواجهة المباشرة للتهديد اليمنى المدعوم إيرانياً.
6- طرح الفكر الدينى الوسطى فى مواجهة التشدد والتزمت.
7- فتح البلاد أمام الاستثمار الأجنبى.
8- السماح لـ56 جنسية بزيارة البلاد بتأشيرة دخول فى المطار وأيضاً لحاملى تأشيرة «شينجن» الأوروبية.
حدث ذلك كله ولم تسقط السماء على الأرض!
ومؤخراً لم تهتز يد الحكم والحكومة فى اتخاذ تدابير حاسمة ووقائية عند ظهور وباء كورونا عالمياً بالمنع المؤقت للطواف والازدحام فى الحرمين الشريفين، وتقييد زيارات جنسيات الدول الأكثر إصابة بالفيروس، ومنع تجمعات المواطنين والزوار فى مباريات كرة القدم أو الاحتفالات العامة، وتعطيل الدراسة والأماكن الحكومية الجماهيرية.
إنها اليد غير المرتعشة، التى تتحدى المعتاد والتقليدى وما كان يمثل خطوطاً حمراء.
هنا يبرز السؤال الكبير والجوهرى وهو قدرة المجتمع على القبول والتكيف فى فترة محدودة لتحولات جذرية وكبرى غير مسبوقة منذ العام 1979 أى منذ 41 عاماً؟ ذلك كله فى فترة زمنية قصيرة للغاية؟
هنا لا بد من معرفة هل الصعوبة فى تواؤم وتكيف البعض مع التوجه أم مع سرعة التغيير نفسه؟ أم أنه مع التوجه ولكن لديه ملاحظات فى التفاصيل؟
المتابع الدقيق للحياة اليومية والمجالس وحركة المجتمع السعودى، يلاحظ أن كل ما كان يعتقد أنه سوف يخلق مائة ألف إشكالية فى المجتمع مر بيسر وسلاسة وقبول مجتمعى بالشكل الغالب والأعم.
ذلك يثبت أن رهان الملك وولى عهده على مشروع السعودية الجديدة كان كتوجه عام متسقاً ومقبولاً من معظم قطاعات المجتمع الذى كان ينتظر ذلك منذ عقود.
هؤلاء، وهذه القوى هى الداعمة لهذا العهد الذى ترى أنه يحقق مصالحها وطموحاتها.
هل ما سبق يعنى أن الحياة وردية على كوكب السعودية؟
الإجابة بالتأكيد «لا»، هناك فى السعودية اليوم، مثلها مثل كل مجتمع من الصين إلى اليابان ومن الولايات المتحدة إلى الهند ومن سنغافورة إلى فنلندا تحديات وملفات صعبة ومعقدة مثل:
1- فيروس كورونا فى بلد يعيش فيه ملايين الوافدين ويزوره سنوياً الملايين لزيارة الحرمين الشريفين لأداء مناسك العمرة وفريضة الحج.
2- انخفاض سعر برميل النفط نتيجة انخفاض الطلب عليه بسبب فيروس كورونا، والركود الصناعى والتجارى فى اقتصاديات العالم مما أدى إلى نزوله من 68 إلى 61 إلى 58 إلى 42 وأخيراً 35 دولاراً للبرميل.
3- التهديد الخارجى من إيران وتركيا واليمن وقطر وأدواتها فى المنطقة، وهو تهديد وجودى يتعين مواجهته وعدم التهاون فيه.
4- ضعف القدرة على التسويق السياسى لأفكار وطموحات وحقيقة التغيير فى السعودية مما يؤثر على نجاح المشروعات ويخلق حالة من الاضطراب والبلبلة والاغتيال المعنوى للأشخاص والقرارات وسمعة البلاد.
هنا نأتى إلى السؤال الكبير: هل قيادة مركبة السعودية الجديدة هى فى الاتجاه الصحيح أم أن التحدى ليس فى التوجه ولكن فى بعض التفاصيل ومقدار السرعة؟ هل المسألة هى التوجه أم تفاصيله؟
يرد على هذا السؤال مسئول سعودى مخضرم عمل مع 4 ملوك سابقين: ليس من العدل أن تسأل بإلحاح من يقود سيارة وهو ما زال فى بداية الطريق لماذا، لماذا، لماذا لم تصل بعد؟!».
عن الوطن المصرية