الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

منفيون إلى بلاد الغرباء

منفيون إلى بلاد الغرباء

تاريخ النشر: 2021-11-19 | 12:41

هند زيتوني
هند زيتوني

ها هي حقيبة سفرك أمامك، وأوراقك الهامة قد اكتملت. تقترب من  مراسم الوداع وأنت تُفضّل  أن ترحل بلا ضجيج، بلا دموع  أو عناق. فليس للوداع عنوان ولا مكان لأنه سفينة بلا شراع. إنه أبواب مغلقة بلا مفاتيح.

كنتَ تودّ أن تمنح مفتاح قلبك لشخصٍ يحبك كثيراً قبل أن تغادر لكي لا يقتله الشوق من بعدك، ولكن من يستطيع أن يفتح بابَ  قلبٍ  تكلّس بالصدأ؟ بسبب ما رانَ  عليه من الحزن والقهر  والعذاب؟ فكرامتك أحياناً أهم ممن تحب. أنت لم تفرّط بأحد، ولكنها يد الزمن القاسية التي امتدت لتحرق كل الأوراق والذكريات بلا رحمة وبرفّة عين ضاع كل شيء أحببته.

إنها اللحظات الأخيرة التي تشعر فيها بالخذلان، هل أنت خذلت الوطن برحيلك أم هو الذي خذلك؟ هل هو الذي أطلق عليك رصاصة الرحيل فأدماك أم أنت الذي طعنته بمدية الخيانة ثم رحلت؟  

لقد حاصرك القدر ووضعك في زاوية اللاعودة. تشعر بشعورٍ مبهمٍ، ذلك الشعور الذي يمعن في قتل اللحظات السعيدة. هكذا تمضي بعيداً وبيدك حفنةً من  التراب  المضمخ بالدم والدموع. تلوح بيدك لكل شيء أحببته حتى للحافلات المهترئة. وبكاء العصافير الصغيرة.   

لقد فاتك أن تأخذ  ضمة صغيرة من شجرة الياسمين النائمة، لوحت لك ببتلاتها الناصعة من  بعيد دون أن تلمحها . كانت واهنة، متعبة وشاحبة، أتعبتها رائحة القتال والمعارك ثم نضبت المياه فجاة، فحاصرها العطش.

في اللحظة الأخيرة  تتثبتُ عيناك على نافذة الطائرة  وأنت تتأمل المدينة الغافية على جرح طويل لا يلتئم. سماءها تشتعل بالمدافع والبراميل الحارقة. وفي رأسك سؤال واحد قد يمسح فيكَ كل الأسئلة. وقصة حزينة تنسيك كل القصص. 

 متى ستتعافى أيها الوطن؟ متى سينعم الناس بالحياة الهانئة، الخالية من كل هذا الجنون والعبث المتراكم؟ متى سيقسم هذا الرغيف البسيط بالتساوي، بين هؤلاء الجياع والمتعبين الذين يبدو على وجوههم سوء التغذية والمرض والشقاء وقلة الفرح والاستقرار. ما زلت تذكر جيداً كيف كنتَ تعمل كالساقية في هذا الغلاء المحموم،  والملاليم التي تجنيها تكاد لا تكفي لشراء وجبة يوم واحد.

قلت لي قبل سفرك بأيام: "كم كنتُ أشعر بنفسي بأنني مثل بطل رواية دونكيخوته (الونسو كياخانو)  رجل ضعيف ومريض، أتعبه قلة الطعام والنوم وكثرة القراءة حتى  أشرف على فقدان عقله وذاكرته. لقد شد الرحال وركب حصانه الهزيل ليبحث عن مفاجأة تنتظره في بلاد جديدة".  خرج ليحارب طواحين الهواء والأغنام كان يسمى (فارس الظل الحزين)،  أما أنا فكنت أعمل وأحارب كل شيء حتى  الهواء الذي أتنفسه  من أجل أن أعيش فقط! ولم أحظ إلا بعيشةٍ  وضعية.

كتبت لي بأنك استطعت الوصول أخيراً، بعد رحلة شاقة كدتَ تفقد فيها حياتك لتنجو بنفسك والأشياء البسيطة التي تحملها في حقيبتك؛ من قميص قديم وبنطال مهترئ وغيار داخلي، مشط مكسور، وزجاجة عطر من المسك أعطاك إياها والدك، كان قد احتفظ بها منذ ليلة زواجه، وكيس صغير من  الزعتر، أصرّت  أمك أن تأخذه معك.  

أنت الآن في المنفى تستطيع أن تملأ رئتيك بهواء نظيف، تضغط على جهار القهوة  الأوتوماتيكي لتصنع قهوتك الصباحية، تدخل الحمام لتستحم بالماء الساخن. تتمدّد في فراشٍ وثير وفوقك غطاء صوفي ناعم يشعرك بالدفء وبأشياء أخرى. تستمع لفيروز (راجعين يا هوا راجعين…!) لتبث لنفسك بأنك ما زلت متمسكاً بالغناء العربي والذكريات القديمة. تحاول أن تتمسك بكل شيء مع أنك منفي إلى أرض الغرباء … هناك لا ينقطع التيار الكهربائي، ولا يقف الناس طوابير من أجل شراء ليتر من المازوت، ولا يوجد بطاقة ذكية لتطلب منك القدوم على الفور، لكي تستلم جرة الغاز وحين وصولك يخبرك الموظف ببلادة- الذي ينفث سيجارته الرخيصة بوجهك- بأنه يعتذر لعدم توفرها الآن! عليك القدوم بعد شهر على الأقل. عليك أن تتحمل البرد والصقيع بما أنك تقدس الوطن ومشاكله، ولتهرم عظامك ومفاصلك، لتدمن بعد ذلك على المسكنات التي لم تعد تملك ثمنها.

فجأة تعصف الذكريات القديمة في رأسك، فترى  وجه أمك التي كانت تنهض في الصباح الباكر تبحث عن وسيلة للوقود لتطهو الطعام فلا تجد! تتفقد المدفأة الوحيدة في البيت، فهي لا تعمل لأن الكهرباء مقطوعة! ترمي البطانية القديمة التي "لا تغني ولا تسمن من جوع" على إخوتك الصغار في الشتاء البارد! فهم يرتجفون من البرد والصقيع الذي لا يرحم. 

وأنت تجلس هناك في المنفى مع صديقتك الشقراء الفارعة القامة، تضع يدك على كتفها برقّة وتبتسم. تحتسي فنجان قهوتك الثالث وتشرح لها كم هي جميلة مدينتك، وكم هي عظيمة بلادك حيث خرج منها أغلب المكتشفين والمخترعين القدماء ولولاهم لغرقت الإنسانية في الجهل والطلام! تتباهى بشوارعها الساحرة والنظيفة وشاطئها الأزرق اللازوردي في شمال البلاد، وتشرح لها كيف أن الناس سعداء وكأنهم يعيشون في الفردوس. فهم لا يحبون مغادرة بلادهم لأنهم لن يجدوا أجمل منها. 

تنظر في المرآة المجاورة فترى عينيك الكاذبيتين فتبكي بكاء مراً،  كنت تبرر لنفسك كذبك الأبيض، وتقول أريد أن أكذّب كل  شرٍ وحزن وأقلب كل مشهد حزين إلى سعادة عارمة. قلت لي في رسالتك الأخيرة، كم أنا مشتاق للوطن! بالرغم من كل شيء!

سأعود ذات يوم، بعد أن تندمل الجراح المتخثرة، ستشفى ذاكرتي الشقية من ظلال الأشجار المحروقة وسيخرج القمر في السماء مبتسماً لا يخاف من حراس الليل المرعبين وسترقص النجوم احتفالاً بقدومي.

×
أخبار
تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط