الفلسطينيون وحدهم في مواجهة العربدة «الإسرائيلية» المتمادية، لا معين ولا نصير. يقاومون بأجسادهم وسواعدهم وإرادتهم الصلبة وببعض ما يملكون من وسائل بدائية مثل الحجر والمقلاع والسكين.. يؤكدون للقريب والبعيد أن الإرهاب الصهيوني لن يخيفهم ولن يحملهم على الاستسلام، ولن يخضعوا لإرادة المحتل مهما طغى وتجبر، وأنهم على استعداد لتقديم قوافل الشهداء مهما عظم الخطب واشتد البلاء.
يعرف الفلسطينيون أنهم يقاومون وحدهم، وأنهم تركوا لقضيتهم التي لم تعد قضية أحد، بعد أن تعب الجميع أو ملوا منها أو تحولت إلى عبء عليهم.
ويعرف الفلسطينيون منذ زمن بعيد أن قضيتهم كانت في الأساس شعاراً ليس أكثر، وغطاء لأنظمة كي تبدو وطنية وقومية، وأنها طالما استعملها البعض بضاعة سياسية والبعض الآخر استغلها في صراعه مع الآخر.
الآن، خرجت «إسرائيل» إلى العالم بقوتها وجبروتها وعنصريتها وحقدها كي تعلن الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، رجالاً ونساء وأطفالاً، وتجاهر بأنها سوف تقتل كل من يحمل حجراً وتقنص من يلوح بقبضته، لا فرق بين صغير أو كبير، أو حتى رضيع. ومن لا يقتله العساكر الصهاينة فالأمر متروك لسوائب المستوطنين أن يحرقوا ويقتلوا ويدمروا ويعتدوا على القرى والحقول والمزارع ويقتلعوا الأشجار، ولا بأس أن يدنسوا المقدسات وينتهكوا الحرمات.
خلال الأيام القليلة الماضية تبدت صورة الصهيوني الجندي والجنرال والمستوطن والحاخام والمسؤول السياسي والحزبي على حقيقتها.. الصهيوني الدموي والحاقد والعنصري والكاره للفلسطيني ولكل ما يمت لفلسطين بصلة.. كلهم حرضوا ودعوا للقتل واستباحة الدم الفلسطيني..كلهم لبسوا الخوذات ووضعوا أصابعهم على الزناد.
لم يغب عن بال الفلسطيني يوما أنه أمام عدو يستهدف استئصاله من الوجود، ولا يعترف به أصلاً، وقد كانت رئيسة الوزراء «الإسرائيلية» السابقة غولدا مائير تردد متسائلة: «أين هو الشعب الفلسطيني؟».. وكل من خلفها وحتى الآن من القادة الصهاينة ساروا على منوالها ولم يبدلوا تبديلاً، حتى وإن ظهر بعضهم بثوب الحمل لإخفاء حقيقتهم وإيهام العالم بأنهم من طينة أخرى.
أمام هذه الحرب التي أعلنتها «إسرائيل» لن نتحدث عن العرب ولن نسأل أين هم ولأن الجواب أشد مرارة من السؤال..بل نسأل عن السلطة الفلسطينية وعن المنظمات والفصائل التي تتلهى بصراعاتها وخلافاتها، وتصر على الانقسام وتبديد الحقوق الفلسطينية، وإهمال طاقات الشعب الفلسطيني في مواجهة هذا العدوان الصهيوني المفتوح.
نسأل كل هؤلاء عما إذا كانت فلسطين هي قضيتهم فعلاً.. وعما إذا كانت تستحق أن تكون فوق خلافاتهم ومصالحهم وارتباطاتهم الإقليمية، وعما إذا كانت أكبر من إيديولوجياتهم وانتماءاتهم الفكرية، وعما إذا كانت تستحق التنازل عما هو ضئيل أو صغير من أجل قضية أكبر منهم ومن فصائلهم، وسقط من أجلها مئات آلاف الشهداء خلال مسيرة الصراع وما زالوا يسقطون.
الآن هو محك الوطنية الحقيقية والإخلاص للقضية وصدق شعارات الدفاع عنها، وتأكيد شرف الانتماء إليها، وذلك بالمباشرة فوراً في استرجاع الوحدة الوطنية وتأكيد وحدة الشعب الفلسطيني بين ضفتي الوطن، وتشكيل قيادة موحدة ووضع برنامج نضالي بعيد المدى يضع كل إمكانات الشعب الفلسطيني وقدراته في خدمة مواجهة عدو أعلن الحرب المفتوحة عليه.. والتخلي عن كل الاتفاقات التي تصب في خدمة العدو.
فلسطين تستحق التضحية لأنها في مواجهة خطر وجودي.