في زمن الاحتلال.. من الطبيعي أن تكون ساحة المعركة مع المحتل.
لكن ما يحدث اليوم يدعو إلى التوقف..
كلما خفت صوت المواجهة مع الاحتلال.. ارتفع صوت المواجهة بين الفلسطينيين أنفسهم.
منصات التواصل امتلأت بالردود.. والرد على الرد.. والتخوين.. والتشكيك.. والتشهير.. حتى أصبح من السهل أن تجد فلسطينياً يقضي ساعات في مهاجمة فلسطيني آخر.. بينما لا يكتب كلمة واحدة في مواجهة الاحتلال أو فضح جرائمه.
الاختلاف ليس مشكلة..
بل هو أمر طبيعي في كل شعب حي..
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة دائمة.. وعندما تصبح المزايدة بديلاً عن العمل.. ويصبح تسجيل النقاط على أبناء الوطن أهم من تسجيل أي موقف في مواجهة الاحتلال.
الأخطر من ذلك أن هذه المعارك لا تبقى داخل البيت الفلسطيني..
العالم كله يراها..
المتضامن الذي يدخل ليرى معاناة غزة.. أو ما يجري في الضفة.. يجد نفسه أمام سيل من الاتهامات المتبادلة.. فيخرج حائراً.. وربما يقتنع أن الفلسطينيين منشغلون ببعضهم أكثر من انشغالهم بمن يحتل أرضهم.
أما الاحتلال.. فهو أكثر المستفيدين..
لا لأنه صنع هذا الانقسام.. بل لأنه يعرف كيف يستثمره.. ويقدم للعالم مشاهد الفلسطيني وهو يخون الفلسطيني.. ويشتمه.. ويشكك في وطنيته.. ثم يسأل العالم بسخرية.. كيف يمكن لهؤلاء أن يبنوا دولة؟
ليس المطلوب أن نصمت عن الخطأ..
ولا أن نتخلى عن النقد..
بل أن ندرك أن هناك فرقاً كبيراً بين النقد الذي يحمي القضية.. والخصومة التي تستنزفها.
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى معارك إعلامية جديدة..
ولا إلى أبطال يصنعهم البث المباشر وعدد المشاهدات..
بل تحتاج إلى خطاب وطني مسؤول.. يختلف عندما يجب أن يختلف.. ويتوحد عندما تكون فلسطين هي التي تدفع الثمن.
فالاحتلال لا يخشى اختلافنا..
إنما يخشى أن تبقى بوصلتنا متجهة إليه دائماً..
أما حين يتحول الفلسطيني إلى خصم للفلسطيني.. فإن الاحتلال يربح معركة لم يخضها.
أخطر ما في الخصومة الفلسطينية أنها لا تستهلك الوقت فقط.. بل تستهلك الرصيد الأخلاقي للقضية أمام العالم..
فالعالم لا يرى ما يدور في نوايانا.. بل يرى ما نكتبه لبعضنا.. وما نقوله عن بعضنا.. وما نسمح لخصومنا أن يقتبسوه من كلماتنا.
وعندما يصبح الفلسطيني هو الشاهد الذي يستند إليه من يريد الطعن في فلسطين.. فعلينا أن نسأل أنفسنا..
من سرق بوصلتنا؟