الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مَن يجرؤ على قول "لا"!

مَن يجرؤ على قول "لا"!

تاريخ النشر: 2018-09-08 | 11:19

في كتابه «عالم ما بعد أميركا» يقدم لنا المؤلف الأميركي فريد زكريا حزمة من الأفكار الجديدة، وبعضها صادم. الكتاب يحاول أن يسبر غور مستقبل الرأسمالية الغربية، وفيه من الأفكار ما هو مقنع، وأخرى أقل إقناعاً، إلا أن فكرةً مركزية استوقفتني، وأعتقد أنها عامة وتنتمي إلى ثقافات كثيرة في العالم وليست محصورة في ثقافة المجتمع الاقتصادي الحديث. تلك الفكرة فسرها الكاتب بمحاولة الإجابة عن سؤال لماذا لم يرَ المتخصصون (في الاقتصاد والمجتمع) تباشير الانهيار الكبير الذي أصاب النظام الرأسمالي عام 2008، حيث ضاع تقريباً 40 تريليون دولار من قيمة الأسهم في الاقتصاد العالمي، وسبّب أضخم إفلاس في التاريخ؟!
يجيب عن ذلك السؤال بأن عدداً من المتخصصين كانوا يجاهرون بآرائهم بأن ما يحدث في الاقتصاد ظاهرة يُتوجس منها، ويشيرون إلى مخاوفهم بشكل علمي، وأن ما يحدث هو ليس أكثر من فقاعة قد تنتهي إلى كارثة، إلا أن تلك الأصوات في السنوات القليلة، قبل حلول الكارثة، كانت تشاهد أن الاقتصاد العالمي ينمو، وأن توقعاتهم تكذّبها دفاتر الحسابات الختامية في معظم الشركات الكبرى كل عام، والتي تنتهي بأرقام كبيرة من تحقيق الأرباح، حتى وصل بهم الأمر إلى أن شكّوا في ما يعرفونه من قوانين الاقتصاد، وانتهى كثير منهم إلى عدم الاحتجاج أو إصدار الإنذارات، خوفاً من اتهامهم بعدم المعرفة، وحتى (التخريف)! ثم وقعت الكارثة.
هذه الفكرة المركزية يمكن أن نراها تتكرر في الكثير من المجالات، ليست الاقتصادية فقط، ولكن أيضاً السياسية والاجتماعية. شخصياً مررتُ بخبرة من هذا النوع أستأذن القارئ في طرحها باختصار، وهي ذات ثلاثة مواقف؛ الأول في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وكنت مسؤولاً عن تحرير مجلة «العربي» المعروفة، نشرنا خبراً صغيراً يشير إلى كُتيب أصدره وقتها المعارض التونسي المنصف المرزوقي. اغتاظت كل فرائص النظام التونسي السابق بسبب ذلك الخبر الصغير، ومُنع عدد المجلة بكامله من الدخول إلى تونس، وبُلغنا بعدها وبشكل رسمي، إنْ عدنا لذكر اسم المرزوقي فسوف تُمنع مجلة «العربي» إلى «الأبد» من تونس! لم يستطع ذلك النظام أن يرى اسماً وبضعة سطور لذلك (المعارض)، الذي أصبح بعد ذلك رئيس أول جمهورية بعد سقوط النظام! والخبر لم يتطرق إلى أي شيء آخر بتاتاً يمكن أن يثير، في الوضع الطبيعي، نظاماً سياسياً!
الحادثة الثانية، نظّمنا في المجلس الوطني للثقافة معرضاً للكاريكاتير، وعُرضت أشكال من الكاريكاتير لم يلفت نظري فيها شيء، وبعد بضعة أسابيع جاءني السفير الليبي وقتها في الكويت، وهو ينتفض ومنزعج، قال لي: إن «المعرض الذي نظمتموه أثار الغضب الشديد في طرابلس، العاصمة الليبية»، قلت: «على ماذا الغضب، وقد كنت أنت سعادة السفير موجوداً في المعرض، ولم تلفت نظرنا إلى شيء؟»، قال: «نعم، ولكن المسؤول الأمني في السفارة أرسل إلى طرابلس صورة (كاريكاتيرية تشبه الأخ القائد) وكتب تقريراً عنها، وقد وجه إليّ اللوم، ومهدَّد بالنقل، إن لم أحصل على اعتذار رسمي منك»! صعُب عليّ وضع الرجل المسكين، وكتبت رسالة شخصية له نعتذر عن الخطأ غير المقصود الذي وقع، إنقاذاً لجلده!

أما الثالثة فقد حدثت في دمشق؛ كنت ضيفاً على برنامج في التلفزيون الرسمي، والحديث عن الثقافة، فتحدثت عن أصل مفهوم مثقف، والتي تُعزى إلى مفكر فرنسي من أصل إيطالي هو إميل زولا، كتب في أوائل القرن الماضي مقالاً بعنوان «إني أتهم» يحتجّ على محاكمة جندي فرنسي ينتمي إلى الديانة اليهودية. الأمر معروف: في المساء، اقتُطعت الفقرة كاملة من البث!
جزء كبير من ثقافتنا غير متصالح سلمياً مع الرأي المضاد! فمثلاً كتابان صدرا قبل عام 2010 بسنوات قليلة، واحد عنوانه «مصر دي مش أمي، دي مرات أبويا»، والثاني «وجع المصريين» لم يتمعن أحد من مسؤولي ذلك الزمان في أيٍّ من مضمون الكتابين أو أيٍّ من أمثالهما، ببصيرة، ولو فعل لسمع بوضوح جرس الإنذار يدق بقوة، بأن هناك أمراً ما خطيراً ومقلقاً يحدث! الإنسان بطبعه قد يفضل أن يصدق ما يعتقد أنه صالح له، ويتجاهل أو يُكذب ما هو مضاد لمصلحته. في ثقافتنا العربية تتفاقم المشكلة، فتسأل طفلك مثلاً: لماذا أنت ضعيف في الرياضيات؟ في الغالب يجيبك بأن «الأستاذ لا يعرف كيف يشرح المادة»، وهكذا تسير الأمور في لوم الآخر على كل الأخطاء، التي نرتكبها نحن! في كثير من الأوقات الحرجة نجد أن المسؤول لا يريد أن يرى (الحقيقة)، هو لديه حقيقته المختلفة. في مذكرات آخر سفير بريطاني في طهران أنتوني بارسونز «الكبرياء والسقوط»، يقول في كتابه بالنص: «لماذا فشلت أنا رغم خبرتي في المنطقة في رؤية ما كان يبدو أمام ناظريَّ وشيك الوقوع؟!».
ويجيب: «إن السبب في ما وقع (أن الشاه كان يريد أن يحوّل إيران إلى شيء هي ليست منه)»! يكاد التاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة بشيء كثير من السخرية، فالنظام الإيراني الحالي يريد أن يحوّل إيران إلى إمبراطورية! فات وقتها بزمن طويل، وهي ليست شيئاً منها! والأكثر سخرية، أنه يرغب في فعل ذلك بغطاء ديني! لديّ قناعة بأن الأهم في استقرار الشعوب هو أن تكون هناك حرية ولو نسبية، بأن يكون المتحدث في الشأن العام لديه شيء من حرية القول، التي تتيح لمتخذ القرار أن يتعرف على شيء قد يجهله. ينتابني مثلاً شك كثير في تصديق متحدث من طهران يعلق على الشأن العام من هناك في أي محطة تلفزيونية، العجب أن معدّ ذلك البرنامج، لا يعرف أن الرجل في فمه ماء كثير، فلا يستطيع أن يحيد عن الخط العام للنظام، كان ذلك المتحدث اليوم من طهران أو من دمشق، أو كان يتحدث في السابق من بغداد أو طرابلس ليبيا أو تونس في عهودها السابقة، هذه الحرية النسبية المفقودة، هي التي فجّرت في نهاية المطاف كل تلك الشحنة من الغضب، والذي تحول في مكان منه إلى فوضى اليوم تضرب مدناً كثيرة في فضائنا العربي.
آخر الكلام: من الخطأ في الإدارة (أياً كان نوعها) أن يشعر القائد بأنه يحتاج إلى أناس حوله يقولون نعم دائماً، من الأكفأ أن يتوفر مناخ يستطيع فيه بعض المحيطين أن يقولوا «لا» مبرَّرة، دون إطلاق طاقة سلبية تفسد العلاقة. صفة القبول بـ«لا» هي من صفات القائد الناجح.

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط