تاريخ النشر: 2016-06-13 | 08:41
تاريخ النشر: 2016-06-13 | 08:41
أثناء إفطاره مع عدد من المصريين، بينهم شخصيات عامة، أول من أمس، أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى أن نصف ولايته الأولى قد مر، ثم أكمل كلامه. لم يتنبه كثيرون إلى أن من يتحدث عن الولاية الأولى يعني أن هناك ولاية ثانية، أي أن الرجل حسم أمره مبكراً وينوي الترشح مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد سنتين. صحيح أن المسألة طبيعية، خصوصاً في ظل الشعبية التي يحظى بها السيسي، لكن كشفه نيته مبكراً يفترض أن يضع منافسيه أمام مسؤوليات وتحديات وخيارات صعبة.
لا نعرف إذا كان السيسي وضع العبارة ضمن حديثه عمداً أم أنها خرجت منه بصورة عفوية ومن دون ترتيب، خصوصاً أنه كان يرتجل ولا يقرأ من ورقة معدة سلفاً، لكن الحقيقة أن لا منافس للسيسي على أرض الواقع حتى الآن، على رغم أن عناصر التحالف المعارض له يتعجلون رحيله ولا يتحملون الصبر حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة كي يطرحوا منافساً له. هم أضعف من أن يتمكنوا من حشد الناس ليدعموا مرشحاً لينافس ويفوز، إلا أن تصرفاتهم تُظهر رغبتهم الجامحة في إسقاط السيسي وإبعاده وإفشال تجربته.
أحد رموز ذلك التحالف، وهو رجل أعمال وناشط سياسي في آن، لا يكف عن المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة! وعند البحث عن أسباب حملة المعارض العتيد، أو قل انقلابه، إذ كان من مؤيدي السيسي في شدة ثم انقلب عليه، تكتشف أن شركته الهندسية كانت نافست شركات أخرى على الفوز بتنفيذ مشاريع كبيرة مزمع تشييدها في منطقة قناة السويس ولم يفز بالعطاء الذي رسا على شركة أخرى. من يومها والرجل لا يكف عن الحديث عن أن مصر "رايحة في داهية"، وأن المشاريع العملاقة والكبرى ستفشل، وأن نجاحات السياسة الخارجية مجرد أوهام، وأن لا مستقبل لمصر، وأن على السيسي أن يرحل! صاحبنا كان له دور في إمداد "ثورجية" ميدان التحرير في كانون الثاني (يناير) 2011 ببعض مستلزمات الثورة كالبطاطين والخيم والسندوتشات ولوازم "ترويق" العقول كالشاي ومشروبات أخرى والشيشة والسجائر، حتى لا ينشغل الثوار أثناء الثورة بأمور كتلك. ورغم أن الرجل يفترض أنه ناصري معادٍ للإسلاميين، إلا أن ظروف التحالفات المرحلية وضعته في خندق واحد مع "الإخوان" ضمن التحالف الذي يضم أيضاً بعض الناصريين والاشتراكيين الثوريين وناشطي الفضائيات وأصحاب مشاريع حقوق الإنسان، إضافة إلى بعض محبي الرئيس السابق حسني مبارك ممن لم يرضهم بعض عبارات نطق بها السيسي، وفُهم منها أنه يُحمِّل مبارك المسؤولية عن اهتراء الدولة وضعفها وانهيار اقتصادها، وكذلك بعض من أيدوا السيسي نفسه ثم انقلبوا عليه بعدما ظهر أنه لم يمنح أحداً منهم مكافأة بمنصب أو موقع تنفيذي أو مكانة، أو تصور أن تأييده للسيسي في البداية سيمنح شركاته مزايا تحقق له نفوذاً أو تضمن "للبيزنس" الذي يقوم عليه مزيداً من الأرباح والمكاسب.
هكذا تبدو التناقضات تعصف بالتحالف من أساسه، كما حدث مراراً. وبعيداً من الهدف المشترك الذي يلتف حوله التحالف بإسقاط السيسي، فإن الصراعات تضرب المتحالفين عند كل محك، ويبقى أن كل أطرافه، باستثناء "الإخوان"، لا تملك أي ذخيرة شعبية سوى ميزة تنظيم مظاهر الاحتجاج، أو الحديث إلى الفضائيات والسهر طوال الليل في أحضان مواقع التواصل الاجتماعي. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الجمعية العمومية لحزب "الدستور" الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي، وهو الحزب صاحب المواقف الحادة ضد السيسي، لا يصل عدد أعضائها إلى رقم الألف من بين أكثر من 90 مليون نسمة تتوزع في مصر من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، فما بالك بأحزاب وقوى سياسية أخرى عالية الصوت حادة المواقف هزيلة الحضور.
تتحدث قوى المعارضة ويروج "الإخوان" وتسير خلفهم برامج الفضائيات المصرية، لحديث عن انخفاض شعبية السيسي في الشارع رغم غياب إحصاء دقيق أو أبحاث علمية يمكن الاعتماد عليها في شكل موثق لقياس اتجاهات الرأي العام في مصر تجاه الرجل، لكن تكفي الإشارة هنا إلى فشل كل الفعاليات التي تبنتها قوى المعارضة بمختلف أطيافها، ما يشير إلى أنه يحظى بشعبية لا يمكن إخفاؤها. وحتى موعد الانتخابات المقبلة يستطيع الناس من الآن توقع الخطاب السياسي والإعلامي لـ "الإخوان" وحلفائهم والمشاكل والأزمات التي سيتم افتعالها لمحاولة الإيحاء بأن الانتخابات "مطبوخة" وأن لا مجال لأي مرشح للحصول على فرص متساوية مع السيسي لينافسه، أما من يطالبون الآن بانتخابات مبكرة فإنهم أثناء الانتخابات الرئاسية المقبلة سينتظرون حتى تنتهي ثم يبدأون حملتهم من جديد للمطالبة بانتخابات مبكرة أخرى، وهكذا دواليك!
عن الحياة اللندنية