الثالثة على شعب غزة ومقاومته . لسنا نحن، فلسطينيين وعرباً، من أطلق هذا الحكم بل الطرف الأقل تعصباً وعصبية وعدوانية في \"إسرائيل\" . صحيفة \"هآرتس\" المعبّرة عن التيار اليساري الليبرالي قالت في موقعها الإلكتروني (26/8/2014) إنه \"بعد اسابيع من الحرب في غزة فإن النتيجة هي واحدة لمصلحة \"حماس\" في مقابل صفر ل \"إسرائيل\" رغم أن الفلسطينيين نزفواً دماً أكثر، إلاّ أنهم بعد ما يقرب من الشهرين يمكنهم أن يروا تحسّناً محتملاً في وضعهم، وهو هدف أي عرض للقوة . بحساب بسيط للتكاليف مقابل المكاسب مقارنةً بالموقف الذي كان سائداً في السابع من يوليو/تموز (عند بدء الحرب على غزة) يتضح أن \"إسرائيل\" خسرت أكثر . فكل ما حصلت عليه هو استعادة الوضع السابق بينما كان الثمن الذي دفعته 68 قتيلاً ومئات المصابين وإقتلاع الآلاف من منازلهم\" .
ثمة صورة أشد قتامة عكسها رؤساء البلديات في النقب المحتل . اعتبروا اتفاق وقف النار خنوعاً للفلسطينيين، ودعوا سكان المستعمرات الجنوبية إلى عدم العودة إليها . أما الجمهور فقد بدا قلقاً ومحبطاً . ذلك تبدّى في استطلاع الرأي الذي نظمته القناة التلفزيونية الثانية: 80 في المئة من الإسرائيليين غاضبون على اداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو . كانت نسبة التأييد له عند اندلاع الحرب تناهز ال 85 في المئة، انخفضت يوم اعلان الاتفاق إلى 36 في المئة . \"الإسرائيليون\" غير الراضين عن الاتفاق ناهزوا ال90 في المئة . هل كانت النتائج لتعبّر عن هذا القدّر من الاحباط والانحدار لولا أن الأغلبية مقتنعة بأن \"اسرائيل\" اندحرت في اطول عدوان شنته على غزة ومقاومتها؟
في الجانب الفلسطيني، الفرحة عارمة وشاملة . ثمة إجماع بين الناس على أنهم انتصروا بصمودهم وبأداء المقاومة في وجه العدوان . حققوا ما عجزت عنه جيوش العرب . من يجرؤ على مناقشة هذا الحكم القاطع؟
انتصر نهج المقاومة . حسناً، ماذا بعد؟
ثمة آراء ومواقف كثيرة . باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه وما يقال ويؤمل ويُنتظر ينبع بعضه من واقعات ومصالح ومخططات وبعضه الآخر من تداعيات وعواطف وتطلعات . ثمة رأي يقول إن مصر ستكون محور التحركات والترتيبات في المستقبل المنظور . رأى آخر يقول إن ما جرى كان بعلم الولايات المتحدة، وان دورها سيكون محورياً بالتعاون مع مصر (وإسرائيل) وغيرهما . غير أن ثمة رأياً يبدو للبعض غريباً أو سابقاً لأوانه . إنه رأي عضو قيادة \"حماس\" محمود الزهار المقيم في غزة طوال أيام العدوان الخمسين .
ماذا يرى الزهار؟
في معرض الحديث عن بنود اتفاق التهدئة والقول إن مسألتي المطار والميناء البحري مؤجلتان للبحث في مفاوضات لاحقة، دعا الزهار إلى المباشرة فوراً في إعادة تأهيل المطار وانشاء الميناء البحري من دون انتظار إذن من \"إسرائيل\"، وأنه في حال أقدمت \"إسرائيل\" على استهداف أعمال التأهيل والإنشاء فإن في مقدور المقاومة الرد بضرب مطاراتها وموانئها . العين بالعين والسن بالسن .
قد يبدو هذا الرأي متسرعاً ولاسيما في مفهوم من تعوّد على التفكير والتدبير وفق صيغ تقليدية مفادها ان ما من شعرة تسقط من رأس أحد إلاّ بإرادة رئيس الأمريكيين . لكن الغريب أن هذا الطراز من السياسيين لا يرى، بل لا يريد أن يرى، أن كثيراً من القادة والزعماء، ولاسيما في \"إسرائيل\" تحديداً، لا يتردد في اتخاذ موقف أو القيام بعملٍ لا يحظى بموافقة مسبقة من حكومة الولايات المتحدة، خصوصاً إذا ما وجد في الموقف أو العمل مصلحة شخصية له او لبلاده . فنفوذ الولايات المتحدة في مشرق العرب أضعف اليوم مما كان عليه في الماضي القريب وهامش المناورة امامها محدود، الأمر الذي يتيح للاعبين الإقليميين، وبينهم فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين، اتخاذ مبادرات وحتى شن حروب محدودة لا تحظى بالضرورة برضى واشنطن .
إلى ذلك، فإن ما يدعو اليه الزهار يتواءم في فهم ما جرى أخيراً في غزة مع تقويم أمين عام \"الجهاد الإسلامي\" رمضان عبدالله شلّح الذي أعلن صراحة \"أن الحرب لم تنتهِ بعد\"، وأن المقاومة \"فرضت على \"إسرائيل\" المفاوضة تحت النار\" . بعبارة أخرى، لدى المقاومة الفلسطينية من القدرات ما يمكّنها من حماية ما تعتبره حقاً من حقوقها، فلا حاجة لها لإذن من \"إسرائيل\" لتأهيل أو إنشاء مرافق هي من صلب الحقوق السيادية للسلطة الفلسطينية من حيث هي دولة معترف بها أممياً .
أكثر من ذلك، يجب الانطلاق، بعد اندحار \"إسرائيل\" في حربها الثالثة على غزة، من حقيقة راسخة هي نجاح المقاومة في تعديل ميزان القوة لمصلحتها، وأن ذلك من شأنه توسيع هامش المناورة والعمل أمامها ما يتطلّب، سياسياً وعملياً، استثمار زخم انتصارها الأخير . كيف؟ باعتبار الحرب لم تنتهِ بعد وأنه يقتضي تالياً متابعتها سياسياً بتثوير الضفة الغربية، وتجاوز اتفاق التنسيق الامني المعقود بين السلطة الفلسطينية و\"إسرائيل\"، والانضمام إلى جميع المعاهدات الدولية التي تتيح ملاحقة دولة العدو أمام المحكمة الجنائية الدولية وغيرها، واتخاذ مبادرات جريئة كتأهيل المطار وإنشاء ميناء بحري وإدارة معبر رفح بالتفاهم مع مصر وبمعزل عن \"إسرائيل\" أو دولة أخرى .
نعم، \"إسرائيل\" اندحرت . المطلوب الاستمرار في المقاومة المدنية والميدانية من أجل أن تنتصر فلسطين، كل فلسطين .
عن الخليج الاماراتية