لم تستطع ما سُميت ب «المبادرة» الفرنسية الصمود لأكثر من أشهر قليلة ثم لفظت أنفاسها، وصدر النعي بشكل متزامن في رام الله وتل أبيب، حيث أعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن فرنسا تراجعت عن تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى حل «الدولتين» نتيجة الضغوط «الإسرائيلية» والأمريكية.. فيما أعلن مصدر رسمي «إسرائيلي» أن المبادرة الفرنسية لمجلس الأمن «لم تعد اليوم على جدول الأعمال، وأن التهديد السياسي على «إسرائيل» لم يعد موجوداً».. وهكذا انتهى الكلام المباح قبل صياح الديك، ولم يعد لدى العرب والفلسطينيين ما يتلهون به أو ما يمنّون به النفس من ترياق يأتي من باريس بعد طول انتظار لترياق امريكي لم يأت ولن يأتي.
وهكذا خرج الجميع من «المولد بلا حمص» كما يقول المثل.. وعليهم انتظار «مبادرة» جديدة قد تأتي من مكان ما لاستكمال مسلسل الانتظار الذي لن ينتهي واستمرأه الجميع، وبات يشكل مجالاً للتسلية وإهدار الوقت ما دامت الدبلوماسية العربية بلا عمل وتبحث عما تتسلى به طالما قضية الصراع مع العدو الصهيوني صارت في عهدة وسيط امريكي «نزيه جداً»، يعمل منذ الأيام الأولى للنكبة وقيام الكيان الصهيوني قبل 67 عاماً، ومنذ أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات بعد مؤتمر مدريد على حماية الكيان ودعمه وتوفير كل أسباب قوته وتفوقه وتوفير مظلة تحول دون محاسبته على جرائمه وانتهاكه للشرعية والقوانين الدولية.. هذا الوسيط هو المؤتمن على الحقوق الفلسطينية الذي محضه العرب والفلسطينيون ثقتهم وكلفوه بمهمة تخلوا عنها.. ثم جاء الفرنسي من بعده حاملاً الوعد بأن «يشيل الزير من البير»، وأن البشارة سوف تظهر على يديه وسيحمل معه كل ما ورثه من الثورة الفرنسية من مبادئ العدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان كي تكون إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقوقه..
لم يكن الظن الرسمي العربي يستوي مع الظن الشعبي إزاء الدورين الأمريكي والفرنسي أو غيرهما.. فالنظام العربي الرسمي أدمن الرهانات الخاسرة والانتظار الممل بلا جدوى منذ قرر أن السلام خيار استراتيجي ولا خيار سواه، في حين أن الشعب الفلسطيني ومعه الشعب العربي لم يثق يوماً بدور أمريكي أو غربي، ولم يراهن إلا على قدراته وإرادته لأنه على قناعة بأن الحقوق لا تستجدى ولن تسترد بمفاوضات بين غالب ومغلوب وقوي وضعيف، أو تكليف ذئب بحماية القطيع.
منذ اللحظة التي وصل فيها وزير الخارجية الفرنسي لورانس فابيوس إلى المنطقة قبل أسبوعين للترويج ل «مبادرته»، كان الموقف «الإسرائيلي» جاهزاً وواضحاً على لسان نتنياهو «فتش عن إبرة أخرى تخيط بها ثوب التسوية».. وعندما يقول نتنياهو ذلك فهذا أمر لفابيوس وكيري وغيرهما بالانسحاب.. وهكذا كان.