تاريخ النشر: 2016-11-01 | 09:51
تاريخ النشر: 2016-11-01 | 09:51
-1-
هي صفقات «تمديد الوقت..»
ليس آخرها تحقيق أمنية الجنرال عون في العودة إلى قصر بعبدا...
تنجح سلالات بيوت الحكم في إطالة فترات «استمرارها»، استثماراً للخوف المتصاعد من «البرابرة..» المتخيلين، والواقعيين، ومن الذهاب إلى آخر مدى في السير باتجاه «نهاية العالم..» المنسجم السعيد الذي حققته «تركيبات» ما بعد الاستعمار وسايكس بيكو.
ورغم أن الصفقات تدافع عن «سايكس بيكو» التي طالما كانت جزءاً من خطابها الدعائي يقوم على كراهيتها، تمثل نقلة جديدة في انتصار «غريزة البقاء» على إمكانية التغيير أو احتماله.
وهو وضع لبنان فيه ليس استثناءً، لكنه المختبر الذي تجرب فيه العناصر التي تمثل «الحامض النووي» للسلالة، فعاليتها في مواجهة أوهام أمراء الحروب الصغيرة إلى آخر مدى.
الصفقات التي بدأها لبنان تدمر الحدود بين المعسكرات التقليدية، مذهبياً وسياسياً، وهو ما نرى له تحضيرات في مصر بخروج السيسي من «تحالف السعودية» ليقترب من «الممانعة» بعدما كان خصماً (حنوناً) في فترات سابقة... وكيف ستتفاعل محاولات استثمار المنقذين من معسكرات متضادّة (الجزائر وإسرائيل وروسيا وإيران وغيرها...)؟ والسعودية ذاتها إلى أين تسير بعدما لم تنجح غزوتها على اليمن في إشعال حرب «السنة والشيعة» وكيف سيجد أبو مازن و «حماس» نقطة تلاقٍ في مواجهة دحلان؟ لا شيء في هذا أصدق من السخرية (كما فعلتها الورقة 128 في انتخابات الرئاسة اللبنانية ومن بعدها ورقة ميريام كلينك..)...
هناك شعور غريب تجاه هذه الصفقات لنسمِّه الآن «الطمأنينة المتوترة»... أو «طمأنينة الإحباط..»..
ـ 2 ـ
...لا تفكر السلالة مثلاً في دلالة مصير محسن فكري بائع السمك المفروم في سيارة النفايات (بمدينة الحسيمة بالمغرب)
لا يشغلها توحش «رجل السلطة» في «رجل عادي..» دفاعاً عن «السلطة» و «القانون» وعقاباً فورياً لم يخطر على بال أشد «كهنة الأنظمة».
لماذا يحدث هذا في بلد مستقر نسبياً، ويحقق نمواً، مثل المغرب؟
هل الشعور بالقلق يمكن أن يعيد السلطة إلى «طبيعتها البربرية»؟
السلالة قلقة، وهذا ما يحركها بقوة «الخوف الذاتي..» من المشاغبين، أو ممن يمكنهم أن يكسروا «الهيبة» بالشغب... ولو بمخالفة «عادية» أو بسلسلة النكات اللاذعة التي تلاحق السيسي كلما تكلم، أو بورقة اختيار ميريام كلينك في قلب عرس الجنرال عون.
هذه السخرية من المرارة ذاتها التي تستقبل بها نهاية بائع السمك، أو الغرقى في سيول «البحر الأحمر» الذين قالوا أمام شاشات تلفزيون مؤيدة للنظام: «.. وماذا فعلت لنا مصر..؟».
ماذا تفعل السلالة في انتهاء صلاحية مراهم ومساحيق «يحيا الوطن...»... بينما يقتل المواطنون لكي تستمر السلالة؟..
هنا سنرى في لقاء أبو مازن و «حماس»، محاولة «إنقاذ» السلالة القديمة من دخيل مثل دحلان، تدعمه القاهرة وابو ظبي، من أجل «استقرار» ما في الأوزان لا أبعد من ذلك.
يرى الداعمون لدحلان أنه تجديد للخلطة الفلسطينية (التي تلتقي عندها خلطات الأنظمة الكبيرة والصغيرة)، ويري المجتمعون في الدوحة انه إفساد للخلطة...
هناك ماكينة تنتج نوعاً من الرجال الغامضين مثل دحلان، وتجتذبهم الى عالم تكون غالباً نهايته حزينة... ما زال شاباً بالمقارنة مع السائد في هذا العالم الغامض... (55 سنة) ولم يصل الى طموحه الكامل أو لم يستقر في موقع دائم، هو ما زال أسير الرياح التي تقفز به مرة إلى مصر (قبل مبارك حيث أقام بعد غياب عرفات، وأدار «بيزنس» ما قيل عنه أهوال صحافية...) إلى الإمارات (حيث تتفاعل خبرته في نسج الشبكات وغزل الأدوار مع طموحات الجيل الجديد من الحكام هناك..) مروراً طبعاً بمحطات في المنظمات الفلسطينية وسلطتها، جعلته أشهر رجل غامض في السنوات عشر الأخيرة..
لكن يبدو أنه يريد العبور من منطقة الغموض الى «العضوية الكاملة» في السلالة، فهو كما وصفته من قبل: رمز خلطة مبتكرة بين «رجل البيزنس» ورجل الدولة.. ولأن «البيزنس» الفلسطيني ملتبس، والدولة تنتمي فلسطينياً إلى الواقع الافتراضي، فهو ابن الغموض والواقعية الصادمة أحياناً إلى حدّ الفجاجة. يستطيع تحريك قوة نائمة في تركيبة «فتح». يحركها بنبرة عصابية تكشف عن بلادة لغة الرئيس محمود عباس وفتورها. هو سليل حكماء ما بعد سنوات الثورة والنضال المفتوح عبر عواصم العالم من بيروت إلى ميونيخ مروراً بتونس وقبرص وعدن وطبعاً القاهرة.
دحلان محترف.. نسج علاقات مع أضداد. كلهم يتعاملون معه.. وكلهم يخشونه ولا يمنحونه الأمان في الوقت نفسه.. تُروى أساطير عن علاقاته مع أجهزة استخبارات متصارعة من الموساد إلى الاستخبارات المصرية.. وفي الأساطير نفسها تتصارع هذه الجهات على أبوّته، من ياسر عرفات إلى أجهزة مصرية. وفي الوقت نفسه، هو رجل الاستخبارات الأميركية وناقل رسائل عرفات إلى الموساد.
تركيبة تشبه في تعقيدها تراجيدياً الوضع الفلسطيني. ودحلان في قلبه، رجل فعّال ودينامي.. هو حامي «فتح» وأسدها المدافع عن كرامتها الضائعة في غزة. وهو رمز الخيانة السرّية أيضاً.. قائد وعميل، تلك صورته ومصدر فعاليته ومهاراته في تربيط التنظيم السائب.
وهو الآن جسر الخير الذي أوصل الى غزة معونات صحّية وغذائية،
البطل الملتبس يريد أن يقود التغيير الذي يعيد للسلالة الفلسطينية استقرارها. فهو مهندس الجسور الأكثر حيوية بين القاهرة ورام الله.. القاهرة ملهمته، فيها يلتقي نصفاه: «البيزنس» والسياسة..
لكن مصير حركة السلالة الفلسطينية يرتبط بالحركة في عواصم أخرى...
ـ 3 ـ
السلالة تتدبر أمرها...
وكما عقدت الصفقات الغامضة بين سلالات أمراء الحرب الأهلية والبيزنس السياسي لإنهاء الفراغ في لبنان، فإنه في مصر مثلا أقيم لقاء تعارف السلالة عبر العصور تحت مسمى «مؤتمر الشباب»... حقق أهدافه في توحيد صفوف المحيطين بالحاكم (شركاء حكم/ كهنة / أذرع / أدوات / أبواق نشر روايات الترويض...) لإثبات أنهم «يد واحدة» حتى لا تنهار «الخلطة» الحاكمة.
لقاء تعارف السلالة نجح تماما في تجديد روابط الأجيال القديمة والجديدة، وربطهم في شبكة واحدة تعزز الانتماء إلى «عالم افتراضي» سعيد يواجه شراسة العالم الواقعي (غرب متآمر/ شعب جاحد/ أفكار مسمومة/ ظروف صعبة/ عواصف قدرية تعطل وصول الحاكم رمز الدولة وطوطمها إلى أحلامه...)
هذا العالم الافتراضي منح المختارين بعناية الأجهزة الأمنية شعوراً بالتفوق الممزوج «بالتاتش» الناجح عبر العصور في ضخ إحساس أن هؤلاء جميعاً بمسعاهم للدخول في السلالة يقومون بمهمة وطنية... وهي مهمة تشبه الحب من طرف واحد «يكفي أن أحبك لأكون قدرك».
ولأنهم أقدارنا كما تتربى نفسياتهم، وكما تفرض قبضة الأجهزة الأمنية إرادتها، فإنه لا مجال لتقييم وحساب أو لوم ذات بل هو مسرح استعراضي يتبادل فيه أعضاء السلالة أدوار الخير والشر ليصلوا في النهاية إلى تقييم للشعب والناس الذين تتحمل السلالة وجودهم ويمثلون عبئاً ثقيلاً يعاند القدر.
عن السفير