انتشار المسيرات والمظاهرات والوقفات المساندة لغزة عبر مدن مختلفة من كل انحاء العالم تنديدا واستنكارا للقصف العنيف والمستمر من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي على المدنيين في غزة ، ابسط دلالة على موقف الضمير الانساني من مسالة القتل الممنهج وغير المبرر الذي يستهدف الفلسطينيين رغم الذرائع التي يسوقها الساسة الاسرائيليون وحلفاؤهم ، هذا الاستنكار يعد من اهم مظاهر الهزيمة الاخلاقية للدولة الاسرائيلية التي لا تعد امرا جديدا فهي تمنى بها مع كل عدوان حيث تصعب اسرائيل المهمة على حلفائها في الدفاع عنها وتحسين صورتها وهي غارقة في دماء المدنيين .
كما بدأت تظهر امارات هزيمة سياسية لنظرية نتنياهو في القضاء على حماس ، حيث ان نتنياهو بعد حادثة العثور على المستوطنين الثلاث امواتا وجه اصابع الاتهام لحماس دون ان يظهر للعالم ادلته الدامغة على ذلك ، ومضى بعيدا في وضع خطة اهم اسسها القضاء على حماس ولتنفيذ ذلك بدأت حملة اعتقالات واسعة لقيادات ومناضلين من الحركة في الضفة بما فيهم الاسرى المحررين ضمن صفقة وفاء الاحرار منتهكة بذلك بنود الصفقة ،كما قرر بدء عملية عسكرية ضد مواقع حماس بهدف القضاء على امكانياتها الدفاعية تماما منتهكة اتفاق التهدئة لعام 2012 .
دوافع نتيياهو في القضاء على حماس تتمثل في امرين هو التغطية على فشله في قضية المستوطنين الثلاث مع بداية توجيه انتقادات من مسؤولين وسياسيين لأسلوبه في ادارة الازمة وأيضا اعتبارهم ان ما حدث هو نتيجة حتمية لسياساته العدوانية فمن المتوقع ان يكون الرد قويا لاستعادة الرأي العام الاسرائيلي الى صفه بنيله ثأرا ضخما ، والثاني كان التعجل في القضاء على المصالحة بإنهاء حماس ، والسبب ان المصالحة سلبته ذريعته المفضلة عن عدم وجود شريك سلام فلسطيني يمثل كل الفلسطينيين والتي كانت تعني ايضا اعادة الشرعية لحركة حماس كحركة سياسية وهو ما اعتبره بمثابة الكارثة بسبب موقفها من اسرائيل .
نتنياهو راهن في هذا التوقيت ليشن حملته العسكرية ضد غزة لعدة اسباب اهمها :
_ان العالم العربي مشغول بتمدد داعش وفتوحاتها في سوريا والعراق وانتشار خلاياها في دول عربية اخرى مثل الاردن ولبنان ولم تعد القضية الفلسطينية الاولى ولا الاهم .
_ كما ان حماس منهكة وفي حالة ضعف بسبب الحصار والعزلة المفروضة عليها والتي ازدادت سوءا بسبب بعدها عن معسكر الممانعة بسبب مواقفها المؤيدة لتحرر الشعوب وهو ما ادى الى تدهور علاقتها مع سوريا وإيران وانخفاض مستوى الدعم الايراني كثيرا عن السنوات السابقة ، ومن ثم فان قدراتها العسكرية والدفاعية ستكون محدودة .
_ سقوط الاخوان في مصر والذي كانت من تداعياته حظر حركة حماس وتدمير الانفاق وتدهور العلاقات بين مصر وحماس بما يعني ان لا دعم سياسي ستقدمه القاهرة لحماس .
كل ما سبق يصب في فكرة انه من الممكن القضاء على حماس نهائيا بصمت في فترة قصيرة وبعملية محدودة دون الحاجة لاجتياح بري و دون اثارة أي ضوضاء اعلامية مزعجة ، لكن ما حدث كان عكس توقعات المسؤولين الاسرائيلين الذين صرحوا انهم اساؤو تقدير قدرات حماس الدفاعية ، فمن ناحية بدا الحديث عن ان العملية العسكرية قد تستمر مدة اطول ويجب على الاسرائيلين ان يتعاملوا مع هذا الواقع وسط ذعر تام من الصواريخ التي اطلقتها الفصائل ردا على هجوم قوات الاحتلال الاسرائيلي والتي وصلت الى عمق اسرائيل رغم التكتم الاعلامي عن مدى الخسائر التي احدثتها ، اذ يبدو ان الانظمة الدفاعية الاسرائيلية لم تكن بتلك الجدارة التي روجها المسؤولين الاسرائليين ، كما بدا ت تظهر مؤشرات لعملية برية باستدعاء جنود الاحتياط وتغيير نتياهو مقر القيادة من تل ابيب الى البئر السبع ، وهو ما يعني زيادة تصعيد العملية واستمرارها وقت اطول .
ومن ناحية ثانية العالم بدأ يلاحظ تفاصيل المجزرة التي تحدث في غزة ،بيد ان المعركة غير متكافئة فإسرائيل تملك جيشا مزودا بأحدث التجهيزات والآليات وهي تقصف مخيم لاجئين يدافع عن نفسه بشق الانفس وكلام المسؤولين الاسرائيلين الذي يبرر قصف المدنين بان حماس هي التي تختبئ وسط المدنيين وتستخدمهم كدروع بشرية لم يعد يقنع احدا فهناك شواهد على استهداف القوات الاسرائيلية لمستشفيات وبيوت ومدارس عن قصد وبشكل انتقامي .
ومع ان غزة لا تملك قبة حديدية ولا ملاجئ لحالات الطوارئ ولا طيران حربي ، فقد حافظ الغزاويون على رباطة شأجهم وهم يواصلون حياتهم اليومية على وقع القصف ، الذي ادى الى زيادة حصيلة الشهداء والجرحى وتضرر المنشآت والمباني ، في مقابل حالة الفزع التي يعيشها الاسرائيليون التي لا وجه مقارنة لمصابهم مع دموية المشهد في غزة .