تاريخ النشر: 2016-02-27 | 11:00
تاريخ النشر: 2016-02-27 | 11:00
في مؤتمر دافوس الأخير في سويسرا، دعا نتنياهو ممثلي الاتحاد الأوروبي لأخذ مواقف من «إسرائيل» شبيهة بمواقف بعض الحكومات التي باتت ترى في «إسرائيل» حليفاً وليس تهديداً. إلا أن ما قاله رئيس الوزراء «الإسرائيلي» لا يبرر مطلقاً القول بأن "«إسرائيل» تربح عربياً وتخسر غربياً» كما عنون مقاله الأسبوعي كاتب عربي مهاجر تعقيباً على ما قاله نتنياهو، ذلك لأن تناقض «إسرائيل» مع شعب فلسطين وأمته العربية تناقض عدائي يحتم الصدام، فيما تناقضاتها مع أوروبا والولايات المتحدة، مهما تفاقمت حدتها على الصعيدين الرسمي والشعبي تظل تناقضات ثانوية تحل سلمياً.
وفي البرهنة على صحة ما ندعيه نذكر بالدور الأوروبي ثم الأمريكي بإقامة «إسرائيل» ومدها بكل أسباب البقاء والتقدم، باعتبارها الأداة الأكثر كفاءة واستعداداً، والأقل كلفة، في الحفاظ على المصالح الأوروبية والأمريكية السياسية والاقتصادية في الوطن العربي. ولأهمية دورها الوظيفي تجمع الحكومات الأوروبية والإدارة الأمريكية على حماية بقاء «إسرائيل» و«أمنها» والدفاع عنها في المحافل الدولية، برغم تواصل مخالفتها للقوانين والأعراف الدولية.
وصحيح أن تأييد المجتمعات الأوروبية والمجتمع الأمريكي ل«إسرائيل»، والسكوت على ممارساتها العنصرية، لم يعودا كما كانا في العقود الماضية. كما يتضح من تنامي مقاطعة الأكاديميين للجامعات ومراكز الأبحاث «الإسرائيلية» احتجاجاً على الممارسات العنصرية في الضفة الغربية المحتلة، وتواصل حصار قطاع غزة، كما مقاطعة منتجات مستوطنات الضفة والقدس الشرقية، واعتراف بعض البرلمانات والحكومات الأوروبية بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين. غير أن أحداً لم يدع لمقاطعة أي منتج «إسرائيلي»، بما في ذلك إنتاج وتصدير كافة أنواع الأسلحة. ولا تضمن الاعتراف بدولة فلسطين على أدنى مساس بشرعية وجود «إسرائيل» على 78% من تراب فلسطين. ما فيه الدلالة الواضحة على أن ما خسرته «إسرائيل» أوروبياً وأمريكياً، إن كان ثمة خسارة، هامشي للغاية، وليس له أدنى تأثير في الموقف الاستراتيجي الأوروبي والأمريكي من إقامة الكيان الصهيوني في أرض فلسطين مغتصباً حقوق شعبها، وعلى تخوم مصر معطلاً دورها القومي التاريخي.
إن التطبيع مع «إسرائيل» على الصعيد الشعبي العربي لما يزل مرفوضاً ومداناً، برغم كل المحاولات الأمريكية والأوروبية وضغوط الأنظمة التي تصالحت مع عدو شعوبها. والمثال الأبرز موقف الشعب العربي بمصر حيث توالت منذ مبادرة السادات بزيارة القدس المحتلة خريف 1977 أليات مقاومة التطبيع بدءاً من الإصدارات المختلفة من بيانات ونشرات وكتب، إلى عقد الندوات والمؤتمرات والدراسات البحثية، إلى المسيرات والتظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية، وإحياء المناسبات التضامنية، إلى الفتاوى الدينية، إلى المحاكم واستخدام الآليات القضائية، وطلبات الإحاطة والاستجوابات في المجالس النيابية. ولقد انخرطت في حركة مقاومة التطبيع الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، والحركة الطلابية، وانبثقت عبر الممارسة لجان متخصصة في مناهضة التطبيع في كل المجالات، تعززت يوماً بعد يوم ليس فقط بالإصرار والاستعداد للتضحية، وإنما أيضاً نتيجة تبدد أوهام السلام. والمؤشرات كثيرة على أن الحركة الشعبية المناهضة للتطبيع في مصر تمتلك وضوح الرؤية، وتتوفر لها الآليات، ولا تعوزها قنوات الاتصال بينها. فضلاً عن تفاعلها مع حركة مقاومة التطبيع في مشرق الوطن العربي ومغربه.
ولأن «إسرائيل» كيان غاصب عدواني فإنها تظل محفزة لإرادة الممانعة والمقاومة المتجذرة في الثقافة العربية الإسلامية، والمثال الأبرز ما شهدته معظم العواصم العربية أثناء العدوان على قطاع غزة أواخر 2008. ففي الضفة الغربية، برغم تفاقم حدة الانقسام بين حركتي فتح وحماس، وفرض السلطة إجراءات ضبط الحركات الشعبية المضادة للعدوان. برغم ذلك كله كان في طليعة قادة المظاهرات الشعبية المنددة بالعدوان أعضاء وكوادر حركة فتح، والمثال الأبرز ما واجهته مظاهرة جامعة بيرزيت التي نظمتها حركة الشبيبة التابعة لحركة فتح، إذ قمعتها أجهزة السلطة بشراسة عندما حاولت التوجه للاصطدام بالحاجز العسكري للاحتلال المقام على مدخل قرية عطارة، وكذلك جرى في نابلس والخليل. وفي أغلبية العواصم العربية توالت المظاهرات الحاشدة اليومية، وبعضها شهد مظاهرات مليونية.
وبرغم كل ما يقال عن افتقاد القضية الفلسطينية مكانتها كقضية مركزية للأمة العربية، وتراجعها أمام الاهتمام المتزايد بالقضايا القطرية، إلا أن في الواقع العربي المعاصر ما يدحض هذه المقولات. ودليلنا أنه في الوقت الذي تحتدم فيه الحملات الإعلامية بين العديد من أقطار جامعة الدول العربية بسبب النزاعات المحتدمة في أكثر من قطر عربي، تتخذ جميع أجهزة الإعلام العربية من صحف وفضائيات مواقف مؤيدة لانتفاضة شباب وصبايا القدس والضفة، ولقضايا الأسرى في السجون و المعتقلات «الإسرائيلية»، وضد الممارسات العنصرية الصهيونية في فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر. ما يؤكد أن الصراع العربي - الصهيوني لما يزل متقدماً في الوعي والوجدان العربي على مختلف النزاعات العربية - العربية.
وليس أبلغ دلالة مما شهدته الجزائر في الأسبوع الماضي أثناء مباراة ودية لكرة القدم بين فريق جزائري وآخر فلسطيني، إذ احتشد من حول الملعب ما قدر بتسعين ألف جزائري وجزائرية يحملون مئات الأعلام الفلسطينية، وهم يهتفون لفلسطين وشعبها، معلنين عن تأييدهم الفريق الفلسطيني في ظاهرة غير مسبوقة في الواقع العربي المعاصر من تقدم الشعور القومي نحو شعب فلسطين وقضيته على الخطاب القطري الغالب في مغرب الوطن العربي ومشرقه.
عن الخليج الاماراتية