أثار ضم روسيا المفاجئ لمنطقة القرم خلال شهر مارس الماضي الكثير من الأسئلة بشأن دوافع سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخارجية تجاه أوكرانيا، إذ يُجمع عدد كبير من المراقبين الغربيين على أن القومية الروسية المتجددة حفّزت تدخلاً ضد طموحات كييف الميالة للغرب.
على غرار أبرز الحوادث في عالم ما بعد الاتحاد السوفياتي، تبقى الحقيقة أشبه بجبل جليدي 90% منه مخبأ تحت الماء، ولكن ثمة وجه من العلاقات الدولية الأوكرانية قبيل ضم القرم قد يكون قد دفع بوتين إلى التحرك: علاقات أوكرانيا الاقتصادية المتنامية مع الصين.
بحلول عام 2013، بلغت التجارة الثنائية الأوكرانية-الصينية 10 مليارات دولار مع احتلال الصين المرتبة الثانية بين أهم شركاء أوكرانيا التجاريين بعد روسيا، كذلك كانت بكين قد قدّمت لأوكرانيا قروضاً بقيمة 10 مليارات دولار.
وفي شهر سبتمبر عام 2013، كشف الرئيس الصيني تشي جينبينغ عن مشروع \\\"حزام طريق الحرير الاقتصادي\\\" خلال خطاب ألقاه في جامعة نزارباييف في الأستانة ولاحقاً خلال اجتماع لرؤساء دول \\\"منظمة شنغهاي للتعاون\\\" في بشكيك. فطرح تشي، بحضور بوتين، الخطوط العريضة لرؤيته، موضحاً أن المشروع سيشمل إقامة ممر نقل جديد هدفه خفض كلفة شحن السلع من الصين إلى أوروبا ويضم دول وسط آسيا وأمم الاتحاد السوفياتي السابق في القوقاز، فضلاً عن أوكرانيا، إلا أنه لم يأتِ على ذكر روسيا.
بعد ثلاثة أشهر، في 3 ديسمبر، سافر الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش إلى بكين بدعوة من تشي ودامت زيارته الرسمية هذه أربعة أيام، فحضر يانوكوفيتش خلالها قمة الأعمال الصينية-الأوكرانية، وأعلن أن أوكرانيا تدعم مبادرة حزام طريق الحرير الاقتصادي، ومع تنامي التوتر في أوكرانيا، طلب يانوكوفيتش قرضاً طارئاً بقيمة 12 مليار دولار، لكن تشي تفادى التطرق إلى مسألة القروض الإضافية، مشجعاً بدلاً من ذلك أن \\\"يغزز البلدان تدريجياً شركاتهما في المشاريع الكبيرة\\\"، مع استعداد الصين \\\"لمناقشة التعاون\\\" مع أوكرانيا بشأن \\\"حزام طريق الحرير الاقتصادي\\\" الجديد.
لم يتأخر هذا التعاون كثيراً، فخلال زيارة يانوكوفيتش، أعلن رجل الأعمال الصيني وانغ جينغ مشروعا مشتركا أوليا مع شركة Kievgidroinvest بقيمة 3 مليارات دولار، هدفه بناء مرفأ تجاري بعمق 25 متراً في ساكي في القرم، وترميم مرفأ سيفاستوبول، وإقامة منطقة تنمية اقتصادية تضم منتزهاً صناعياً، وكان من المفترض أن تشمل المرحلة التالية من هذا المشروع المشترك، التي تصل قيمتها إلى 7 مليارات دولار، مصفاة نفط، ومحطة غاز طبيعي سائل، ومطاراً، وحوضاً لبناء السفن، وعن المرفأ الجديد أعلن مدير عام Kievgidroinvest أولكسي مازيوك: \\\"نظراً إلى أن قدرة المرفأ المتوقعة تبدأ بنحو 140 مليون طن سنوياً، نقدّر أن تصل العائدات التي ستجنيها الدولة من المرفأ والرسوم الجمركية الأخرى إلى 1.5 مليار دولار سنوياً\\\". وتتبعت الصحف الروسية هذه التطورات عن كثب، ذاكرة أن أوكرانيا والصين وقعتا على خطة تعاون اقتصادي خمسية تركز على القرم.
لم يشكّل مرفأ المياه العميقة المشروع البحري الوحيد الذي كانت الصين تخطط لإنشائه، فقد خططت لإقامة على طول ساحل البحر الأسود في القرم سلسلة من محطات الشحن، فضلاً عن مخازن حبوب تبلغ سعتها 20 مليون طن.
بالإضافة إلى ذلك، ناقشت الصين مع يانوكوفيتش مسألة استئجار أكثر من 1553 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الزراعية في القرم بهدف زراعة نحو 8 ملايين طن من القمح والذرة بغية تصديرها إلى الصين باستخدام تقنيات متطورة، مثل الري بالتقطير والأسمدة، مما يرفع إنتاج القرم الحالي (2 مليون طن) بنحو ثلاثة أضعاف. ومن بين المشاريع الأخرى المخطَّط لها أيضاً إعادة بناء وتطوير مرفأ الصيد في سيفاستوبول وإنشاء مرفأ جديد لمنطقة صناعية عالية التقنية.
أعلن وانغ أن عملية البناء ستبدأ في أواخر عام 2015، وأن عملية التطبيق بأكملها يجب ألا تستغرق أكثر من سنتين، ومن المتوقع البدء بجني الأرباح بعد ست سنوات من انتهاء مراحل المشروع كافةً.
لكن اهتمام الصين بالقرم لم يكن تجارياً فحسب، ففي عام 2009، وقعت الصين عقداً مع شركة الأسلحة الحكومية الأوكرانية Ukrspetseksport بغية بناء أربع حوامات عسكرية برمائية صغيرة من طراز زوبر، وكان من المفترض صنع اثنتين منها في حوض مور لبناء السفن في القرم واثنتين أخريين في الصين بمساعدة أوكرانية. سُلمت الحوامة الأولى، التي تبلغ كلفتها 350 مليون دولار، إلى الصين في شهر أبريل عام 2013، فضلاً عن خططها التقنية ومواصفاتها، لكن وكالة تصدير الأسلحة التابعة للحكومة الروسية Rosoboronexport أعلنت أن خطوات أوكرانيا هذه غير مشروعة وتنتهك حقوق الملكية الفكرية الروسية، بما أن تسليم الخطط التقنية يسمح للصين ببناء حواماتها العسكرية البرمائية الخاصة.
في قبول عملي لتصرفات روسيا، بدّلت الصين مصالحها في القرم، التي كانت تابعة لأوكرانيا، مع انضمامها إلى روسيا، فأُضيفت مشاريع صينية أخرى في القرم إلى هذه المجموعة، بما أن القرم انفصلت كلياً عن شبكة الطاقة الأوكرانية بعد عملية الضم، أخبر نائب رئيس الوزراء الروسي أركادي دفوركوفيتش مجموعة من المراسلين في 14 أبريل، بعد اجتماع عقده مع رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف: \\\"اتفقنا أيضاً (خلال المحادثات مع الصين) على مناقشة مشاريع أخرى، بعضها في مناطقنا الجديدة، فقد أعرب الصينيون، الذين يعملون في مجال الطاقة البديلة، عن اهتمام كبير بهذه المشاريع في جمهورية القرم\\\".
بعد يومين على إعلان دفوركوفيتش هذا، ذكر فلاديمير تشيغوف، سفير روسيا إلى الاتحاد الأوروبي، أن بلده سيؤسس شراكة مع الصين بغية بناء مرفأ في المياه العميقة في القرم سيُعتبر جزءاً من حزام طريق الحرير الاقتصادي. وأقر تشيغوف أن هذا المرفأ المقترح لا يتمتع بشعبية واسعة، قائلاً: \\\"واجه هذا المشروع معارضة من أنصار البيئة والمنظمات البيئية لأنهم يعتبرون أن تنفيذه سيلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بالنظام البيئي والبيئة في تلك المنطقة، التي تشكّل مقصداً سياحياً... لذلك سنعتبر المشاكل البيئية أولوية وسنعمل على معالجتها\\\". ولكن ما زال علينا أن ننتظر لنرى كم من المشاريع الأخرى التي اقترحها وانغ، مثل استئجار الأراضي الزراعية، سيُنفّذ، أما بالنسبة إلى شراء الصين المزيد من الحوامات الأوكرانية، فلم يتضح بعد ما إذا كانت القرم ستمضي قدماً في تنفيذ هذا العقد في ظل الرعاية الروسية.
من وجهة نظر بوتين، هدد التوسع الصيني الناجح مسار المناقشات الدائرة بشأن المشاريع الاقتصادية الثنائية الروسية-الأوكرانية، فقد حملت علاقات أوكرانيا الاقتصادية المتنامية مع الصين احتمال تعقيد محاولات بوتين حض كييف على الانضمام إلى الاتحاد الأوراسي الاقتصادي (الذي يشمل راهناً روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان) بمنح حكومة يانوكوفيتش خياراً خارجاً عن السيطرة الروسية، وعلاوة على ذلك، كانت أصداء مكانة أوكرانيا الجديدة بصفتها المحطة البحرية الغربية لحزام طريق الحرير الاقتصادي ستتردد في كل منطقة القوقاز السوفياتية السابقة ودول وسط آسيا، مما يضعف نفوذ روسيا هناك، في حين ينمو النفوذ الصيني.
صحيح أن هذه الاعتبارات لم تحظَ بالأولوية في قرار بوتين ضم القرم، إلا أنها لعبت بالتأكيد دوراً فيه، فما كان بوتين يستطيع السماح للصينيين بشراء مناطق أوكرانية مهمة وهو واقف مكتوف اليدين، نظراً إلى أهمية مكانة أوكرانيا في نقل الغاز، فضلاً عن مقر أسطول البحر الأسود في سيفاستوبول، ومن المؤكد أن رؤية الصين لتنمية القرم ستتواصل، إلا أنها ستخضع لأسياد مختلفين قد يصرّون على إدخال تعديلات مهمة إلى الخطط الأصلية.
قبِلت الصين عموماً بضم القرم واعتبرته أمراً واقعاً، وفي تعبير عن التضامن السياسي، شهدنا توأمة بين القرم وجزيرة هاينان الصينية في بحر الصين الجنوبي، ويُظهر الواقع السياسي أن الحفاظ على علاقات جيدة مع موسكو، نظراً إلى اعتماد الصين المتزايد على صادرات الطاقة الروسية، دفع بكين بسرعة إلى القبول بواقع العلاقات الروسية-الأوكرانية السياسي الجديد.
علينا أن ننتظر لنرى ما سيكون تأثير ذلك في تطبيق حزام طريق الحرير الاقتصادي الذي اقترحه تشي، لكن تداعيات ضم القرم ستدفع دول الاتحاد السوفياتي السابقة على طول هذا الطريق إلى الحذر من سحر الصين الاقتصادي، مبدّية عليه التصريحات السياسية الصادرة عن الكرملين.
عن الجريدة الكويتية