تاريخ النشر: 2017-09-25 | 19:11
تاريخ النشر: 2017-09-25 | 19:11
كانت أمينة تتأمل البريق العجيب الذي لاح في عيني محمد عندما فوجئت به يسأل عن محمود قائلا :
- منذ أسبوع لم أر محمود ابن الخال باسل .. لماذا لم يعد يزورنا ؟
فابتسمت أمه وهي تعرف كم هو متعلق بمحمود منذ طفولته وهمت بقول شيء ما لولا أن سمعا صوت جلبة تتصاعد من الخارج ، فقفز محمد ولحقت به أمه في وهن وفي نفس اللحظة التي فتحا فيها باب البيت انقطع التيار الكهربائي فجأة فتحسست أمينة من حولها بحثا عن علبة ثقاب لتشغل السراج وهي تناديه ليساعدها وامتزج صوتها بأصوات عدة انفجارات متتالية أعقبها اطلاق نار كثيف فجزعت وهي تسرع بإشعال السراج وهي لاتزال تنادي محمد الذي لم يكن يسمعها فاندفعت بحثا عنه حتى اصطدمت به ..
كان يقف بباب البيت ساكنا شاردا متأملا تجمعات الناس من بعيد والذين تجمهروا حول المكان الذي استهدفه الطيران اليهودي ، فأحاطت بكتفي ابنها دون أن تنتبه لشروده وحزنه وسمعته يهمس :
- إنهم يتقدمون .
فسحبته معها الى الداخل لكنه حاول التملص منها فانحنت اليه وهي تواجهه بعينين دامعتين :
- ليس الان يا محمد...فدورك لم يأت بعد يا صغيري .
ومدت يديها تحتضن وجنتيه وهي تواصل بصوت رقيق ك
- قبل المواجهة.. يجب أن نملك القوة ، ونحن لم نملكها بعد ، فلا نزال على تفرقة ، وإن فكرنا بمواجهتهم الان فنحن مهزومين لا محالة !
واتسعت ابتسامتها وهي تداعب خده وتقول بنظرة مقصودة :
- ثم ان عمرك الان لا زال عشر سنوات .
واعتدلت وهي تربت على كتفه قائلة :
- هيا دعنا نخلد للنوم .
وتأملت البراكين الثائرة في عينيه وهو يقف مثل صنم دون أن يستجيب لها فضغطت على يده بحنان وهي تسير به نحو الفراش ويسقطان في النوم ويحلمان معا بالشهيد عبد الله ولم ييقظها الا صوت أذان الفجر فقامت تمشي على مهل حتى لا تيقظ الصغير لكنه فاجأها من خلفها هامسا :
- لماذا لم تيقظيني كما أوصيتك؟ كان علي الصلاة في المسجد .
فأومأت برأسها وهي تقول ناصحة :
- نعم يا صغيري جميلة هي صلاة المسجد ولكن ليس صلاة الفجر ..فالظلام يكون لازال منتشرا ولازلت صغير بعد وأنا أخاف عليك .
فأشاح بوجهه في عدم رضا وقال :
- حسنا سأصلي هنا .
وتأملته بابتسامة حانية وهي تختفي في الغرفة لأداء صلاتها وجزعت عندما خرجت ولم تجده في الدار ، فأسرعت تبحث عنه لتجد باب الدار مفتوحا قليلا ففهمت أنه بعناده قرر الصلاة في المسجد ووجدت نفسها تنهار على مقعد قبالة الباب وهي تفرك يديها في توتر فمحمد لم يسمع كلامها وهو كالمعتاد يخرج عن طوعها ويرفض التقيد والالتزام بالقوانين ، وكالمعتاد يفعل فقط ما يريد هو أن يفعله ...فمحمد يكون ابنها الوحيد وأقرب شخص اليها وهي أكثر من يعرفه ، إنه يشبه الزهرة البرية التي لم تزرعها يد بشر ، تشق الأرض وتنمو لوحدها ولا تسمح لأحد بالتحكم بها .. وإن لمستها يد تذبل وتموت ...رأته يدخل الباب بهدوء ويغلقه خلفه بإحكام فاندفعت اليه تعانقه بقوة وتأمل دموعها وهو يربت على كتفها هامسا :
- هل أنت غاضبة مني؟
وعندما لم تجبه قال متأثرا :
- لا تغضبي..كنت أتمنى بشدة أن أصلي اليوم في المسجد . انظري أنا بخير لم يصبني مكروه كما تقولين دائما .
فعادت تعانقه وهي تقول:
- حبيبي لست غاضبة منك... لكن ألم تخف وأنت ذاهب في هذه الظلمة؟
فقطب حاجبيه في عدم رضا من كلامها وردد:
- الجبان هو من يخاف يا أمي.. وأنا لست جباناً.
ولوح بيديه وهو يستطرد :
- ثم أني لست صغير لقد كبرت .. لا تخافي علي مرة ثانية .
فهزت رأسها يمنه ويسرة تتأمله مندهشة ورددت في اكبار:
- نعم .. لا خوف عليك بعد اليوم وبعد ما سمعته منك يا محمد ... محمد ابن عبد الله لا خوف عليه .. انه بطل الأبطال .
وابتسمت من بين دموعها وهي تضيف:
- مثل والده تماما .
وتابعته بعينيها وهو يسير الى فراشه ويتناول كتاب القران وقبل أن يبدا بالقراءة رددت بصوت هامس:
- لتعلم أن هناك ما هو أهم من قراءته .
فرفع وجهه اليها منتبها ورآها تضع يدها موضع قلبها و تمنحه ابتسامة واسعة وتقول:
- أن تشعر به هنا في قلبك .
وطال التقاء عيونهما وهي تتابع :
- لست أهمش فضل القراءة ولكن أخبرك بالأهم عند الله .
وشردت أفكار محمد وشعر بعقله يتسع ويتمدد .. كل يوم أكثر وأكثر ..
يتبع....