تاريخ النشر: 2017-10-10 | 00:02
تاريخ النشر: 2017-10-10 | 00:02
تقدم محمد برفقة أمل وجلسا بين الجميع عندما تنبهت حواس محمد وهو يستمع للحديث الهادئ الذي يدور بين الكبار عن مدى سوء الأوضاع في قطاع غزة هذه الأيام على جميع الصعد والنواحي .. وسمع الجدة تقول :
- منذ عام عندما توفي باسل ، كان يخطط أن يشتري لنا بيتا بعيدا عن رفح .. بيت نضمكِ فيه معنا يا أمينة .
فهزت أمينة برأسها نفيا وهي تقول بهدوء :
- لن أبارح بيت زوجي يا أماه .
فاحتج مجدي وهو يقول محاولا اقناعها :
- لكن الأوضاع هنا تزداد سوءا فرفح غدت أخطر مدينة في القطاع على الاطلاق وهي تزداد دمارا كلما توغلوا عبرها أكثر .
لكنها عادت تهز رأسها مرددة :
- وهل من القدر مهرب يا مجدي؟
هنا تدخل محمود قائلا :
- كلنا نؤمن بالقدر مثلك ولكن هذا أحد أشكال الانتحار ما دمنا قادرين على دفع الضرر عن أنفسنا .
- لستم تؤمنون بالقدر مثلي اذن.. فأنا أؤمن به بطريقة مختلفة .
فقالت أمها بصوت واهن :
- ابن أخيك على حق يا ابنتي .. فعندما نرى المدافع في وجوهنا رأي العين ؛ يجب أن نواجهه بقوة مماثلة أو نتجنبه . أما إن تركناه يضرب ونحن نقف في وجهه فهذا يسمى انتحاراَ .
فاطرقت أمينة بصمت ومجدي يقول :
- ثم ألا تخافين على محمد يا أختاه ؟ إنه لا يزال صغيرا بعد والوضع حولنا جد خطير .. نحن في وسط المعمعة ألا تلاحظين الأمر؟ إنهم يقتلون الأطفال ويهدمون المنازل على رؤوس أصحابها ويجرفون المزارع ويسقطون الطيور المحلقة في سمائنا ويخربون في كل مكان .
وبدا صوته أكثر خفوتا وهو يضم ابنته الى صدره أكثر ويقول :
- أطفالنا يا أختاه لا ذنب لهم ..فهم بحاجة لحمايتنا انهم يستحقون حياة هادئة ولو قليلا ..حكمي عقلك يا أمينة .
فتنهدت أمينة وهي تسبل جفنيها في ارهاق فبقدر تمسكها بالحياة في بيت الشهيد الا ان المنطق الذي تسمعه يبدو لها مقنعا ..
وكم شعرت بالحيرة وهي تسترخي ليلا على فراشها بجوار ابنها محمد الذي همس :
- قال محمود أنه سيأخذني الى بيته غدا .
فشردت عيناها وهي تتمتم :
- حسنا الى الغد يخلق الله ما لا تعلمون .
فابتسم محمد وقال في مرح :
- قصدت اريد إعطاء جدتي شيء نسيته هنا .
وأخرج من جيبه محفظة سوداء وهو يقول:
- وجدتها مكان جلوسها بعد أن غادرت
- وماذا فيها ؟
- لم أفتحها .
فازدادت دهشتها وقالت :
- ولماذا لم تفتحها ؟
فمط محمد شفتيه وهو يقول :
- ألم تقولي لي ذات مرة أن الشهيد عبد الله كان حسن الخلق ولم يكن يتجسس على أسرار الغير ؟.. حسنا وأنا أيضا مثله .
فتقلصت ملامحها في تأثر وهمست :
- يا حبيبي.. يا ابن الشهيد .
فساد صمت قصير قطعه محمد قائلا :
- عندما أكبر .. أريد أن أصبح شهيداً .
ففتحت عينيها عن آخرهما ورددت :
- ماذا ؟.. لماذا تقول هذا ؟
فعاودته براءة الأطفال وهو يبتسم قائلا :
- حتى تحدث زوجتي ابني عني كما تحدثيني أنت عن الشهيد عبد الله .
فضمته اليها بقوة وهي تفكر بخياله الواسع ومنطقه الغريب .. أما هو فقد كان يفكر بالغد القريب .. عندما جاء محمود واصطحبه الى بيت الجدة ليناولها محفظتها وتدعو له بالتوفيق قائلة :
- أنت أمين يا ولدي وأنا أحبك .
فهتف محمود ضاحكا :
- وانا أيضا أحبه .
وهتفت زوجة محمود :
- وأنا أيضا .. ومن منا لا يحب محمد !
وضحكوا جميعا وضحك محمد الذي أخذ يكبر بينهم يوما بعد يوم وهم يلفونه بالألفة والحب .. كانوا جميعا سعداء به وهم يداعبونه بين الحين والاخر ويحيطونه بالحب والعطف فهو الطفل الوحيد في العائلة منذ ولد عبد الرحمن ؛اخر ابناء باسل .. وكان مشهورا في العائلة بصمته واتزانه على غير عادة أبناء سنه ونظراته الهادئة العميقة التي تنم عن عبقرية خفية ..
يتبع ...