أدى إعلان الشركة الإيطالية للغاز "ايني"، عن اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي في المياه الإقليمية المصرية وهو الاكتشاف الأكبر في البحر الأبيض المتوسط، إلى حدوث حالة هلع وتزايد المخاوف الإسرائيلية حيث أربك هذا الاكتشاف المخططات الإسرائيلية، حتى أنه أجل البحث والمصادقة، على الاتفاقيات بين الحكومة الإسرائيلية، والشركات المكتشفة للغاز الإسرائيلي، إذ أن هناك خلافات شديدة بين شروط وأسعار الغاز وبين هذه الشركات والحكومة، والنسبة التي ستحصل عليها الحكومة من عوائد الغاز، وكان من المقرر مناقشة الاتفاقية في الكنيست الأربعاء الماضي، إلا أنها أجلت حتى إشعار آخر، فاكتشاف الغاز المصري، سحب البساط من تحت أقدام رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو"، الذي سبق أن بشر الإسرائيليين بأن إيرادات إسرائيل من الغاز، ستدر عليها مليارات الدولارات، لتحسين أوضاع وحياة الإسرائيليين، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والمواصلات وغيرها، فاكتشاف الغاز المصري الذي استقبل بحرارة وفرحة في الشارع المصري، جاء ليخلط أوراق الغاز الإسرائيلي، ويبدد آمالهم، فقد وجهت الشركة الإيطالية "ايني" التي اكتشفت الحقل المصري، ضربة قوية لإسرائيل، وأغرقت احتمالات تطوير حقل الغاز الإسرائيلي "ليفتان"، رغم مرور سبع سنوات على اكتشافه، حتى أن شركة "نوبل إنرجي" الأميركية للغاز، خيرت "نتنياهو" بين توقيع الاتفاقية للغاز معها، أو أنها ستتوجه إلى المحاكم أو التحكيم، للنظر في الخلافات القائمة بينها وبين الحكومة الإسرائيلية، ويطالبون الحكومة الإسرائيلية بمبلغ يصل إلى (15) مليار دولار، عن الخسائر التي تتعرض إليها، نتيجة للمماطلات الإسرائيلية وقد وصل مسؤولون كبار من إدارة الشركة إلى إسرائيل للبحث في خلافات الشركة مع الحكومة الإسرائيلية، وحذروا بأن إسرائيل لن تحصل على الغاز من حقلها، في حال عدم إقرار الاتفاق بينها وبين الحكومة الإسرائيلية.
حقل الغاز المصري الذي اكتشفته الشركة الإيطالية، ويحمل اسم "زوهر"، وحسب الشركة الإيطالية يحتوي على (30) تريليون قدم مكعب من الغاز، مقابل (21) تريليون قدم من الغاز لحقل "ليفتان" الإسرائيلي، وحقل "زوهر" المصري الضخم الذي يقع مقابل السواحل المصرية، ويقدر بأنه يحتوي على (5.5) مليار برميل نفط، على عمق (1450) متر، يمتد على مساحة (100) كيلومتر مربع.
وحسب الشركة الإيطالية، أن هذا الاكتشاف، قد يكون أحد الاكتشافات الكبرى في العالم من الغاز الطبيعي، وحسب مدير الشركة الإيطالية "كلاوديو دسكلاتسي" فإن هذا الاكتشاف الجديد، سيغير قواعد اللعبة في مصر والشرق الأوسط، حيث ستعمل الشركة على تطوير هذا الحقل، بشكل سريع لقرب منشآت الشركة لضخ الغاز، ليعود الغاز المصري إلى الأسواق، حيث أنه لم يعد هناك حاجة للغاز الإسرائيلي بعد اليوم، وحسب التقديرات، فإن الحقلين المصري والإسرائيلي، سيبدآن بضخ الغاز في آن واحد تقريباً، بحلول عامين إلى ثلاثة أعوام.
الاكتشاف الجديد للغاز المصري، شكل ضربة قاسية لإسرائيل، في مجال الغاز والاقتصاد، وحسب وزير الطاقة الإسرائيلية "يوفال شتاينتس"، فإن اكتشاف حقل الغاز المصري، هو تذكير مؤلم لإسرائيل، في وقت تتلكأ فيه الحكومة الإسرائيلية في المصادقة على مخطط الغاز الإسرائيلي، وتؤجل التنقيب في مواقع أخرى، فهذا الاكتشاف المصري يعتبره الوزير سيئاً للاقتصاد الإسرائيلي، وخلال ساعات من الإعلان عن اكتشاف الغاز المصري بتاريخ "30-8-2015"، هبطت أسهم شركات الغاز الإسرائيلية بنسبة وصلت إلى 20%، وبلغت حجم الخسائر (6) مليارات شيكل، ووصفت الدوائر الإسرائيلية أن الإعلان عن الاكتشاف المصري للغاز، باليوم الأسود لإسرائيل، وأن الهلع أصاب الشركات، إذ تراجعت أسهم الشركات العاملة في حقول الغاز في البحر المتوسط، تجاوزت 22%، وتراجعت هذه النسبة لتصل إلى 12%، بفضل تصريح وزير النفط المصري "شريف إسماعيل" في مقابلة له مع وكالة رويتر للأنباء، نقلتها جريدة "يديعوت احرونوت 3-9-2015"، فإذا صح هذا التصريح، فإن الوزير أخطأ بقوله أن مصر تعتزم مواصلة التفاوض مع إسرائيل، بغية شراء الغاز الطبيعي منها، رغم اكتشاف حقل الغاز المصري والقول للوزير، فهو قدم خدمة مجانية لممتلكي أسهم الغاز الإسرائيلي، بتقليص خسائرهم، بعد تراجع هبوط الأسهم، بينما كانت إسرائيل تتوقع إلغاء الاتفاق لتزويد مصر بالغاز الإسرائيلي، بعد أن أعربت السلطات الإسرائيلية عن قلقها على مصير اتفاقيات الغاز الأولية وغير النهائية، مع كل من مصر والأردن، كما تخشى السلطات الإسرائيلية، من أن اكتشاف حقل الغاز المصري، سيخفض أسعار الغاز من الحقول الإسرائيلية، وبالتالي يخفض الدخل المالي للاقتصاد الإسرائيلي، وحسب المصادر الإسرائيلية، فإن العقود غير النهائية، لتوريد الغاز الإسرائيلي لمصر، تبلغ قيمتها (50) مليار دولار خلال سنوات طويلة، وبعد اكتشاف حقل الغاز "زوهر" أصبح لا حاجة لمصر وحتى الأردن لاستيراد الغاز من إسرائيل، وهذا سيؤخر تطوير حقول الغاز الإسرائيلية، التي تحتاج إلى أسواق لتصدير غازها من جهة، ورفع أسعارها من جهة أخرى، لتغطية نفقات التطوير، لكن الأسعار قد تتراجع، مع اقتراب دخول إيران إلى أسواق الطاقة، في أعقاب رفع العقوبات عنها، الأمر الذي سيزيد من كميات العرض وسيؤدي إلى انخفاض الأسعار.
إن ضخ الغاز المصري حسب التوقعات، سيبدأ عام "2018" فمصير اتفاقية الغاز بين مصر وإسرائيل غير مضمونة، بل أن مصر ستنافس الغاز الإسرائيلي، في مجال الأسعار، والقدرة على التصدير، كما أن الخطة الإسرائيلية لتطوير حقول الغاز الإسرائيلية قد تتأخر، وهناك ارتباك بين المسؤولين الإسرائيليين في هذا الموضوع، فالجدول الزمني المعلن لتطوير الغاز الإسرائيلي من جهة، والغاز المصري من الجهة الأخرى، سيتمان في فترة زمنية متقاربة، أدى إلى خسارة الشركات الإسرائيلية بمبلغ (4.5) مليار شيكل، بينما اعتبر "نتنياهو" في مؤتمر صحفي بتاريخ "14-8-2015"، أن الاتفاقات بين شركات الغاز والحكومة الإسرائيلية، لتوزيع عوائد الأرباح من حقول الغاز البحري، ستدر على إسرائيل مئات المليارات من الشواكل، خلال السنوات القادمة، ويبدو أن تقديراته التفاؤلية هذه، كانت سابقة لأوانها.
لقد حققت مصر هذا الإنجاز الكبير في اكتشاف حقل الغاز "زوهر" مفاجأة للشعب المصري وللعالم، الذي يعتبر الحدث الثاني بعد تدشين قناة السويس الجديدة بزمن قصير، ويبدو أن القيادة المصرية لديها برامج وجداول أعمال بالغة الأهمية، لتحسين الاقتصاد المصري والنهوض بثورة حقيقية على الصعيد الاقتصادي. وبالتالي سيعود بالفائدة على حياة المصريين، بينما حذرت وثيقة إستراتيجية لوزارة الخارجية الإسرائيلية-صدرت مؤخراً- من مصير اتفاقية الغاز مع الأردن، في أعقاب الأزمة التي نشبت بين الحكومة الإسرائيلية، وشركة "نوبل إنرجي" الأميركية التي وقعت اتفاقية التفاهم لتزويد الأردن بالغاز الإسرائيلي، خاصة على ضوء الاتفاق النووي مع إيران، الذي سيفتح الأسواق العالمية مجدداً أمام الصادرات الإيرانية، وإعلان إيران نيتها سد أي نقص ينشأ في مادة الغاز في الأسواق العالمية.
إن موضوع الغاز الإسرائيلي، وموضوع الغاز المصري، وما يدور من نقاشات وتداعيات وردود فعل حوله، يعلمنا مرة أخرى، أن قوة الدول وتأثيرها في الساحة الدولية، يتوقف في الأساس بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: هي القدرة الاقتصادية، والقدرة السياسية، والقدرة العسكرية، ونجزم بأن مصر الجديدة، وبقيادتها الجديدة، تسير بهذا الاتجاه، وتريد الوصول إلى القدرات الثلاث المذكورة، لعودة دورها العربي والإسلامي والإقليمي، وهذا مطلب وأمنية الأمة العربية بأجمعها.