يصغرني بأكثر من ثلاث سنوات وكانت ولادته عسيرة حيث اضطر الأطباء الى اخراجه من رحم أمه بالكلاليب بعد أن خيّر الاطباء الأهل بين الوالدة والمولود فاختاروا حياة الوالدة ، لكنه نفذ وخرج للحياة معافى ... لذلك سمّاه والده (نافذ) بعد ان كان جدّه قد اطلق عليه اسم (محمد) في غياب والده الذي كان يعمل في المساحة والذي يضطره عمله الى التنقل في البلاد طولاً وعرضا.
لكن اسم محمد لازمه طيلة حياته بين اهله الى حين وفاته في 19/4/2015 أما أقرانه وزملاؤه في الثورة فقد كنّوه بـ (ابو جميل ) لذلك اطلق على بكره اسم جميل .
كانت سمات القيادة تلازمه منذ صغره فكان أطفال حارة خلة العمود في نابلس حيث نقيم يؤمرونه عليهم ويطيعونه في كل أمر حتى في " الحروب" التي كانت تنشب بين الحارات في تلك الأيام . وانتقلت هذه الصّفة معه الى عمان في العام 1956 حيث مقّر عمل الوالد رحمه الله .. بل ذهبت معه الى مصر عندما أراد الالتحاق بالدراسة هناك ، ولاحظ ذلك عليه القائد العسكري الأردني الفذّ عبد الله التل – قائد معركة القدس الذي كان يعيش في القاهرة كلاجئ سياسي .. فيما بعد التحق ابو جميل بالجيش العربي الأردني وتخرّج كمرشح ثم ملازم .. وكان من زملائه في نفس الدورة يونس العاص وسميح النصر أطال الله في عمرهما .. وقد التحقا ايضا بالثورة معه برفقة القائد الراحل سعد صايل ( ابو الوليد ) في العام 1970 م .
كنتُ سعيدا وانا أزفّ خبر التحاقه بنا عبر صوت العاصفة .. وعندما تشكلت قوات اليرموك كان من ضمن تشكيلاتها حيث كانت اكثر تنظيما وانضباطا من بقية قواتنا بسبب الخبرة العسكرية التي اكتسبوها من الجيش العربي .. وتعرضت الكتيبة التي كان يقودها ذات يوم الى غارة صهيونية كما كانت تتعرض باقي قواتنا .. فجاءني نبأ اصابته وانا في القاهرة حيث الإذاعة الرئيسة للثورة ، وكنا نلتقي في درعا عندما ألتحقُ بالإذاعة هناك ، ثمّ يلتمّ شملنا في دمشق عندما يزورنا الأهل .. الوالد و الوالدة رحمهما الله وبعض الاخوة والاخوات التي كانت تزدحم بهم سيارة أخي المرحوم غسان " الفوكس " الصغيرة .. وكم كانت اياما جميلة نقضيها سويا بصحبة العزيزين احمد عبد الرحمن وكان مسؤول الإذاعة في درعا ، ويحيى العمري ذلك الاربدي الشهم الذي لازمني في الجامعة والإذاعة في مصر منذ انطلاقتها في مثل هذه الأيام في 11/5/1986 م .. وكانت الوالدة رحمها الله تأتينا بكل ما لذّ وطاب من صنع يديها .
في فترة لاحقة عمل أخي ( ابو جميل ) تحت إمرة القائدين الكبيرين ابو جهاد وسعد صايل في القطاع الغربي ، وكان يقود معسكرا للتدريب .. ومن ضمن من كان يتدرب في هذا المعسكر بالإضافة الى شبابنا عدد من كوادر حركات التحرّر ، كحركة (فطاني ) في الفلبين ، وفدائيي خلق ، ومجاهدي خلق ، وحزب توده ، والحزب الإسلامي ، وكل هؤلاء تنظيمات كانت تعمل على إسقاط نظام حكم شاه ايران الديكتاتوري محمد رضا بهلوي ، ورغم اختلاف توجهاتهم وأيديولوجياتهم الا انهم جميعا كانوا منضبطين لقائد المعسكر وضباطه ينهلون ويتعلمون منهم .. وقد تصادقت من واحد منهم وهو ايراني يتبع الحزب الإسلامي الايراني صادفته في طهران عقب انتصار الثورة الإسلامية هناك ، وإذا به احد قادة الحزب الجمهوري الإسلامي ويرتدي العمامة واسمه ولقبه حجة الإسلام محمد منتظري ابن آية الله حسين منتظري الذي كان متوقعا ان يكون خليفة الخميني . وللمرحوم حجة الإسلام محمد منتظري قصة طريفة معي ليس هنا مجال ذكرها .
في العام 1983 حدث الانشقاق داخل فتح وكان من ضمن قادته اثنان من زملاء أخي في قوات اليرموك هما ابو خالد العملة وابو موسى سعيد مراغة .. حاولا ضّمه الى الانشقاق ، ولكنه بحسّه الوطني يعرف من وراء هذا الانشقاق فبقي متحصنا في مكتبه في حيّ التجارة في دمشق رافضا الانشقاق ومتمسكا ومدافعا عن القرار المستقل ، وتمّ اعتقاله لكنه استطاع الخروج والوصول الى عمان .
هناك التحق مرة اخرى بقائده الراحل الرمز ابو جهاد واستمر في العمل معه حتى العودة الى الوطن .
أراده الاخ القائد الرمز الراحل ابو عمار أن يعمل معه في وزارة الداخلية .. لكن أخي استأذنه للانخراط بجهاز الشرطة حيث الكثيرون من زملائه وأخوانه هناك .. وكان له ما أراد ، فعمل في غزة ثم اريحا فقلقيلية ونابلس مسقط رأسه .
لذلك كان اهتمام اقليم نابلس بتكريمه عقب وفاته ، وأصدر الإقليم ملصقا تخليدا لذكراه تماما كما فعلت الهيئة القيادية العليا لحركة فتح في غزة وخاصة الناطق الرسمي باسمها الاخ الدكتور حسن احمد والتي ما زالت صورة المرحوم تزين موقعها الالكتروني الرسمي حتى الآن ...
فتحية لإقليم نابلس الأوفياء وتحية للهيئة القيادية العليا في غزة .
أما رام الله حيث شغل الفقيد آخر منصب له وهو قيادة ادارة المرور في الوطن فقد كرمته هيئة المتقاعدين العسكريين بتقبل العزاء هناك من زملائه وتلامذته ومن تدرب على يديه سواء في الوطن او معسكرات التدريب في سوريا ، فتحية للاخ ابو عدي وقيادة الهيئة في رام الله .
لقد لمست الحبّ الذي يحمله الكثيرون ممن اتصلوا بي معّزين ، لكن أكثر من أوجعني بكاء أخي احمد عبد الرحمن وأخي غالب (ابوعاصم ) عبر الهاتف .. كم هي عزيزة دموعكما على فراق الحبيب .. رفيق حياتي الأسرية ، ورفيق دربي في الثورة .
فشكرا لكل الأوفياء الذين شاركوا في تخفيف مصابنا سواء في عمان او نابلس او غزة او رام الله ..
والعهد هو العهد .. والقسم هو القسم
كما كان يردد قائدنا و رمزنا ابو عمار
لقد سبقتنا يا أخي ابو جميل .. وكنت اعتقد انني سأرحل قبلك .. ولكنها أرادة الله .
كنت دائما تعشق الوطن .. تعشق الأرض وترابها
تعشق نابلس وأزقتها وحجارتها وأحواشها القديمة .
كنت دائما تتغزل بها .. وتقول لي لا اشبع من التجول في أسواقها وإحيائها القديمة .. ودائما تجد الجديد في قديمها .
ذكر لي " ماجد " حفيد جدنا الحاج سعيد مسمار وكان عمره لا يتجاوز السبع سنين ، وهو الآن كهل ، طلبت منه ان يحضر في المرة القادمة حفنة تراب من حديقة جدنا في نابلس .. واستغرب يومها هذا الطلب لكنه الآن يعي كم هو غالٍ تراب الوطن ..
كنت تناديني من نابلس وانا في عمان .. يا حاج تعال وارتع بجمال أرضنا الطيبة ورائحة ترابها الزكية عندما تبللها دموع السماء .. سنحافظ عليها ونتشبث بترابها ..
كم كنت تتألم عندما تعرف ان أحدنا باع أرضه ..
وكنت أتخيل وأتذكر منظر محمود الميلجي في فيلم الأرض وهو يغرس أصابعه وأظافره في أرضه التي حرموه منها ودماء يديه تروي أرضه .. فمن لنا من بعدك يحمي أرضنا ؟!
ربما ماجد الذي تعلم منك حب تراب الوطن
فإلى جنات الخلد أيها الحبيب ...
والى اللقاء ان شاء الله مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا "
صدق الله العظيم
5/5/2015