تاريخيا؛ سجلت نماذج عديدة؛ لمن أتقنوا فن المكر والدهاء، وقلب وتزييف الحقائق وفبركتها، على شاكلة "ومكروا مكرا كبار"،"وان كان مكرهم لتزول منه الجبال"؛ وكانت النتيجة على الدوام"ولا تعجل عليهم"، وتبعها"ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله"، لتترسخ في النهاية حقيقة أبدية؛ وهي: و"إن بطش ربك لشديد"، "ومن أصدق من الله حديثا".
ضرب من الجنون واللاعقلانية، والسير نحو الجحيم والهاوية بسرعة؛ بان يتحول الصراع مع الاحتلال والاستعمار؛ إلى صراع ما بين العرب أنفسهم، وصراع ما بين قوى سياسية معينة مع قوى أخرى، وتكون اللغة المتعارف عليها بينهم هي لغة الدم، وتشويه المقاومة، بدل لغة الحوار والتفاهم.
مخطأ من يظن؛ أن الصراع بين الحق والباطل سيتوقف يوما ما؛ وأكثر خطأ من يظن يوما؛ أن من يملئون السجون ويطاردون ويعذبون ويقتلون وينفوا في منافي الأرض؛ هم على باطل؛ ومن يقتل ويفتح المزيد من السجون ويفقر شعبه، ويستبد بحكمه وقراره؛ هو على حق!
لا تكمن المشكلة في ما يقوله كل طرف ويدعيه، وما يجمعه ويملكه من حجج وبراهين على ما يقوله بصحة مواقفه؛ بل تكمن المشكلة في القواعد، والأسس، والمفاهيم التي رسخت عليها البشرية عبر آلاف السنين من الصراع؛ لحل مشاكلها المستعصية، خاصة في الحكم والسياسة، وهي بالعموم ما تعارفت عليه الأمم والشعوب لتخطي حالة القهر والاستبداد والدكتاتورية، والظلم بشتى أنواعه.
هل يعقل أن يكون من يدفع الظلم عن نفسه وشعبه ويحب الحياة والناس، ويقول الحق على الدوام؛ هو إرهابي! ومن يقتل شعب ويواصل احتلاله ويصادر أراضيه ويسجن آلاف من شعب مسالم بريء؛ هو حضاري وأنساني!
ما بني وأسس على باطل فهو باطل؛ والاحتلال باطل وما نتج عنه فهو باطل؛ وكل من ناصر الاحتلال وحارب من يحارب الاحتلال فهو بالنتيجة المنطقية على باطل؛ أليس هكذا تفهم الأمور ويقاس عليها!
في غفلة من التاريخ، أو لحظة عابرة؛ تستطيع جهة ما بقوة فبركة الإعلام المضلل أن تقلب الحق إلى باطل، وتحجب رؤية وقول الحقيقة؛ ولكن كما يقولون حبل الكذب قصير، وستخسر الجهة التي فبركت الأكاذيب سريعا، لان انجازها وهمي كاذب، وليس له رصيد على الواقع، وهي تخالف منطق الأشياء.
في الحقيقة لا يدوم أصلا إلا ما رسخ في القلوب والعقول، تعززه الانجازات على أرض الواقع، فكل الكلام والإعلام وسحر أعين الناس؛ لن يجدي نفعا وسيتبخر سريعا لأنه بكل بساطة لا يوجد له انجاز على أرض الواقع.
شماتة "نتنياهو" في الوضع العربي كبيرة جدا؛ ولكنها شماتة مؤقتة؛ تتوقف وتنتهي متى انتهت هذه الموجة العاتية التي تعبر المنطقة العربية، فلا بد من أي حدث أن يكون له نهاية مهما كان صعبا وشاقا.
ما يوجع القلب والعقل معا؛ هو نجاح "نتنياهو" ومعه الغرب بتفريق المسلمين لطوائف، وتيارات متناحرة، فكلنا عرب ومسلمين ولا يجوز أن نتفرق، فالفرقة تبقي يد دولة الاحتلال هي الطولى، لتصول وتجول كما تشاء.
في المحصلة؛ لن يزول الاحتلال ويتم كنسه لمزابل التاريخ؛ ما دام الوضع الداخلي مشتت، وفيه من الصراعات الداخلية التي تستنزف الطاقات وتهدرها مجانا؛ ولذلك وجب تقوية وترتيب البيت الداخلي، والالتقاء على كلمة سواء، وبرنامج وطني موحد ؛ وهذا لا يكون آجلا؛ بل عاجلا؛ كون الزمن لا ينتظر أحد، ولا يرجع للخلف.