شهدت إسرائيل مؤخرا موجة من التظاهرات العنيفة التى قام بها «يهود الفلاشا» احتجاجا على اعتداء الشرطة الإسرائيلية على جندى ينتمى ليهود الفلاشا الإسرائيليين، و قد حاول مئات المتظاهرين الوصول إلى منزل رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو للاحتجاج على العنف الذى تمارسه الشرطة، وعقد وزير الأمن الداخلى فى حكومة تسيير الأعمال الإسرائيلية، اجتماعا طارئا مع رئيس بلدية القدس، وقائد شرطة القدس، لبحث مسألة الاحتجاجات الإثيوبية التى كانت قد هدأت منذ سنوات.
قد يبدو الأمر بسيطا فى ظل ما تشهده المنطقة بأسرها من تظاهرات واحتجاجات؛ ولكن ما جرى فى إسرائيل يكتسب مذاقا مختلفا فى ضوء طبيعة قيام دولة إسرائيل وأسس بنيتها الفكرية السياسية العقائدية؛ فضلا عن أنه قد يلقى شيئا من الضوء على ما يراد لنا أن ننزلق إليه بإرادتنا.
يقوم الفكر الصهيونى فى جوهره على مسلمة رئيسية مؤداها أن اليهود كيان واحد متجانس ممتد فى الزمان والمكان، وأن ثمة ما يسمى بالمشكلة اليهودية التى تتمثل فى تشتت اليهود واضطهادهم، وأن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو عودة اليهود إلى أرض الميعاد « فلسطين».
اليهود - من وجهة نظر الصهيونية - قد حافظوا تماما على تمايزهم عبر ذلك التاريخ الطويل. أى أن يهود اليوم هم امتداد حضارى مباشر وغير منفصل لليهود القدامي، أى ليهود التوراة. بعبارة أخرى فإن اليهود - وفقا لهذا المفهوم - يمثلون كيانا حضاريا ممتدا زمانا ومكانا لم يتأثر جوهره بما طرأ أو يطرأ على العالم المحيط به من تغيرات؛ وأن كل ما قد يبدو من اختلاف بين يهود اليوم، و بعضهم و بينهم ويهود الأزمان الغابرة، إنما هو قشور لا تتجاوز السطح إلى الجوهر. و لذلك فليس غريبا أن يردد الصهاينة عبارات مثل « أننا لسنا شعباً كباقى الشعوب، ولسنا ديناً ككل الأديان، إننا شعب خاص: شعب الله، شعب التوراة»
لقد حرص الفكر الصهيونى على تأكيد أن لليهود خصائص تميزهم عن غيرهم مهما تباعدت بينهم شقة المكان، ويعد مثل هذا التأكيد بمثابة الركيزة الأساسية التى تقوم عليها الدعاوى الصهيونية فيما يتعلق بأحقية إسرائيل باعتبارها دولة اليهود فى الحديث باسم اليهود فى العالم كله، ولقد سمعنا وشاهدنا مؤخرا رئيس وزراء إسرائيل يدعو يهود فرنسا للعودة إلى وطنهم إسرائيل قائلا «إسرائيل ليست فقط المكان الذى تتوجهون إليه للصلاة بل إن دولة إسرائيل هى وطنكم».و لقد سبق أن أشرنا فى مقالنا الأخير بشكل عارض كيف قامت إسرائيل بنقل يهود اثيوبيا إلى إسرائيل باعتبارها مسئولة عن أمن يهود العالم باعتبارهم مواطنين إسرائيليين. ولم تكن مظاهرات الفلاشا الأخيرة قد وقعت آنذاك.
وللحقيقة، فللواقعة الأخيرة تاريخ بعيد، فبعد الإطاحة بالإمبراطور هيلاسلاسى عام 1974 اشتعلت الحرب الأهلية وأجبر جحيم الحرب الفلاشا على الهرب إلى السودان حيث استقروا كلاجئين. وحين أعلنت إسرائيل أن للفلاشا حق المواطنة الإسرائيلية باعتبارهم يهودا تمكن عدة آلاف منهم من الوصول إلى إسرائيل ثم قامت إسرائيل بترحيل جماعى لمن بقى منهم عبر عمليات متتالية حتى عام 1991 ولسنا بصدد تفصيلها.
و كان وصول الفلاشا إلى إسرائيل بمثابة اختبار عملى لما قامت عليه الدعاوى الصهيونية من القول بوحدة «الشعب اليهودي» و قابليته للانصهار رغم تباين التواريخ الحضارية للجماعات اليهودية.
لقد أصيب المواطنون اليهود الإسرائيليون بصدمة حين استقبلوا أولئك الفلاشا. صدموا باختلافهم عنهم حضاريا و عرقيا، إلى حد أن عام 1998 قد شهد واقعة غريبة إذ كان أبناء الفلاشا يتدفقون للتبرع بدمائهم استجابة لنداء الحكومة الإسرائيلية و تأكيدا لانتمائهم للدولة؛ فإذا بهم يكتشفون أن الدماء التى تبرعوا بها تلقى فى البالوعات؛ و تصاعدت احتجاجاتهم آنذاك، و تكرر الأمر بشكل فاضح فى ديسمبر عام 2013 حين أرادت النائبة تامانو - شاتا عضو الكنيست التبرع بدمها خلال حملة تبرع نظمتها «مؤسسة نجمة داوود» فى إسرائيل الموازية لمنظمة الصليب الأحمر، إلا أن مسئولة فى هذه المؤسسة رفضت طلبها، مؤكدة أنه «وفقا لتعليمات وزارة الصحة فإنه من غير الممكن قبول تبرع دم لشخص من يهود الفلاشا». وتم تسجيل المشهد بكاميرات فيديو، وبث على القنوات الإسرائيلية، وقد حاولت السلطات الإسرائيلية تبرير ذلك بأن الحظر يسرى فحسب على من ولد من الفلاشا فى اثيوبيا، فزادت الطين بلة، وعبرت النائبة عن غضبها إزاء هذه «لإساءة الجماعية بسبب لون البشرة». وقالت إن «عمرى 32 عاما، وانتقلت للعيش فى إسرائيل وأنا فى سن الثالثة ولدى طفلان، وليس هناك أى سبب لمعاملتى بهذه الطريقة».
خلاصة القول :
إن جوهر المأزق الإسرائيلى الذى تتوالى أعراضه يكمن فى محاولة تسويق إسرائيل باعتبارها دولة عقائدية يهودية فى عالم لم يعد فيه إمكانية لتجاوز الواقع القومى السياسى للدول المعاصرة؛ ولعل ما تشهده بلادنا من تقلصات عنيفة ربما يكون بشيرا باكتمال تحطيم تلك الأسطورة الصهيونية؛ ولكن مخاطر أن يكون نذيرا باكتمال تفتيت المنطقة بأسرها وإعادة تخطيطها على أسس عقائدية مذهبية تكون فيها إسرائيل الصهيونية جزءا منسجما داخل المنظومة الجديدة.
عن الاهرام