عقدان من الزمن قد مرا على اتفاق أوسلو ، وأصيب أصحابه من الفلسطينيين بخيبات أمل من إمكانية تطبيقه . وهم الذين اعترفوا في أكثر من مناسبة ومكان أن " اتفاق أوسلو " قد انتهى بفعل السياسات التي اعتمدتها حكومات الكيان المدعومة من الإدارات الأمريكية بجناحيها الديمقراطي والجمهوري ، في عدم تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق تطلعاته الوطنية على أرضه فلسطين . ومن دون الخوض كثيراً في استعراض هذه المواقف المعبرة عن أن " اتفاق أوسلو " لم يُبقي للفلسطينيين إلاّ فتات لسلطة هشة محكومة لمعايير ناظمها التنسيق الأمني ، والتي تحولت مع الوقت ومرور الزمن إلى أساسيات ملزمة بغض النظر عن تعثر وانسداد أفق المفاوضات العبثية . وقد تناولت في مقالة سابقة مواقف أصحاب هذا الاتفاق المشؤوم ، وإلى أين قادت هذه المواقف . وفي هذه المقالة لابد من استعراض مواقف القوى التي رفضت الاعتراف بهذا الاتفاق ، ورأت فيه نكبة جديدة ، من شأنها القضاء على تطلعات وأماني الشعب الفلسطيني ، وإمكانية أن تكون له دولة ذات سيادة . وبالتالي عرضت الحقوق الثابتة والتاريخية والمشروعة للتبديد والتفريط والتنازل . وإن استعرض في المقالة مواقف هذه الفصائل والقوى ، إلاّ أن هذا لا يعني التقليل من شأن الكثيرين من شخصيات وأصحاب رأي وكتاب ومثقفين وأدباء وإعلاميين وحقوقيين .. الخ . كان لها مواقفها الرافضة لهذا الاتفاق .
الشهيد الحكيم جورج حبش ، وصف " اتفاق أوسلو بأنه هو القوة الفاسدة بالنضال الوطني الفلسطيني ، باعتباره حلاً لم يتضمن الحقوق الوطنية المتفق عليها برنامجياً في إطار م . ت . ف . فهو لم يأتي بالدولة المستقلة ، ولم يُعد الأرض إلى أصحابها ، ومازالت المستوطنات قائمة وهي في تزايد مستمر ، والقدس تُهود على أشهاد العالم ومرأى ومسمع موقعي الاتفاق المذل . وهذه الوضعية متناقضة تماماً مع الأهداف المعلنة لمنظمة التحرير ، ومتناقضة مع كل المسيرة النضالية والكفاحية للشعب الفلسطيني " . وأضاف " إن اتفاق أوسلو كان بمثابة الفراق مع البرنامج الوطني ، وهذا أوجد شرخاً في صفوف الشعب الفلسطيني وقواه السياسية من دون مؤيد ومعارض ، والقيادة التي وقعت الاتفاق لم تعد في نظر قطاعات واسعة من شعبنا وقواه في الموقع الوطني ، وعليه فمسألة الحوار من حيث المبدأ لم تعد قائمة لأن أساس اللقاء معها ، لم يعد قائماً بعد خروجها الصريح من البرنامج الوطني وتنكرها للميثاق الوطني لمنظمة التحرير " .
أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية - القيادة العامة ، بدوره قال "إن مواجهة الحال الاستسلامية السائدة ، وبالذات في الساحة الفلسطينية ، ليست بالمسألة السهلة ولا يمكن الإجهاز على أوسلو بالضربة القاضية " ، وأضاف " إننا نخوض صراعاً مريراً وطويلاً ومعقداً ضد مشروع له أبعاد إقليمية ودولية " ، ولفت جبريل " إلى أن المواجهة هي مع المشروع الأميركي - الصهيوني الذي يمثل أوسلو احد أوجهه " .
الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فقد شدد " بأن اتفاق أوسلو ، اتفاق تدميري وتنازلي ، ويأتي من خارج أي سياق تاريخي أو طبيعي . وأننا لم نستلم غزة أو أريحا في سياق نضالنا وجهادنا وإنما في السياق المعاكس " ، مضيفاً أن " الكيان الصهيوني مثل رجل يعاني مشاكل حادة ومستعصية ، وفجأة يظهر من يقول له أنا مستعد أن أخلصك من كل هذه المشاكل بدون أن تدفع شيئا أو تخسر شيئا ، بالعكس فستقبض ثمناً مرتفعاً ومرتفعاً جداً " .
أما نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية فقال " ها هو فريق أوسلو يتخبط الآن في مأزقه ويعلن بلسانه كل ساعة أن كل عملية السلام في طريق مسدود ، ومهددة بالانهيار بعدما بشَّر هذا الفريق بان الاتفاق يفتح على إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان ويربط بين إعادة انتشار قوات الاحتلال وبين الوصول إلى حق تقرير المصير والدولة المستقلة " .
مؤسس حركة حماس الشهيد الشيخ أحمد ياسين ، فقد قال : " إن اتفاق أوسلو كان نقطة سلبية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، والتنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني " .
ولفت الأمین العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح " أن القضیة الفلسطینیة مرت بالعدید من النكبات بعد حرب فلسطین عام 1948 ، أبرزھا اتفاق أوسلو . وهو نكبة فلسطین الثانیة " .
وقال الأسير المناضل أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية في رسالة له : " لا يوجد أي مبرر منطقي أو مشروع يجيز لفريق أوسلو استمرار المراهنة على المفاوضات . فالتجربة على مدار أكثر من عقدين أثبتت فشلها ، ولم يتبقَ من هذا الاتفاق سوى سلطتين في الضفة والقطاع لا تستطيعان العيش خارج غرفة الإنعاش ، ورزمة من الالتزامات الأمنية لحماية أمن الاحتلال ، وعلى الأرض تستمر الإجراءات العدوانية لحكومة الاحتلال في إطار سعيها لفرض الحل الانتقالي أو طويل الأمد ، والدولة بحدود مؤقتة فُرضت على شعبنا وعلى المجتمع الدولي " .
واعتبر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل " أن الحركة ستتعامل مع مسار أوسلو بواقعية شديدة " ، مضيفاً " أن عدم الاعتراف بإسرائيل لا يعني عدم القيام بخطوات تراعي ظروف الواقع ومتطلباته والمرحلة القائمة " . وقال مشعل " لدينا سلطة نشأت على أساس أوسلو وسنتعامل مع هذا الواقع بواقعية شديدة ولكن بشكل لا ينتقص مع حق شعبنا " . وأضاف أن حماس " لا تخضع للضغوط بالنسبة إلى مسالة الاعتراف بإسرائيل لان الاحتلال لا شرعية له ولن نتخلى عن حقوقنا " . وأضاف مشعل " لكننا واقعيون ونعلم أن الأمور تجري على أساس أن عدم اعتراف طرف بطرف آخر لا يعني انه لن تكون هناك خطوات تراعي ظروف الواقع ومتطلباته والمرحلة القائمة ".
هذه المواقف بمجملها ، هي رافضة لسياق " أتفاق أوسلو " وما جاء به من كارثة حلت على القضية الوطنية ، بسبب ما ذهبت إليه قيادة منظمة التحرير آنذاك برئاسة الشهيد الراحل أبو عمار من توقيع على الاتفاق في حديقة البيت الأبيض ، الذي مثل في حينه انجاز بالنسبة لفريق أوسلو أن أقدام منظمة التحرير قد وطأت أرض هذا البيت ، الذي وعلى ما يبدو أنه شكل أمنية بثمن مرتفع ، ومرتفع جداً جداً . ولكن ألاّ يحق لجموع الشعب الفلسطيني أن تطرح سؤالاً لطالما تردد على لسان الأكثرية الساحقة في هذا الشعب ، إذا كان فريق أوسلو قد فرط وتنازل وأوغل في الذبح السياسي والوطني لعناوين القضية الوطنية ، وتنازل عن 78 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية بموجب هذا الاتفاق المذل . فماذا فعلت الفصائل والقوى الأخرى في الساحة الفلسطينية من أجل إسقاط هذا الاتفاق الذي جاء على حساب حقوقنا باعتراف الجميع ؟ . الجواب وبعد عقدين من زمن " أوسلو " ، هو برسم هذه الفصائل . ولكن في متابعة السياق الزمني لهذا الاتفاق ، وما مرت به الساحة الفلسطينية على مدار عشرين عاماً ، أن الفصائل الرافضة لهذا الاتفاق حتى الآن لم تنجح في كبح جماح هذا الاتفاق والموقعين عليه ، ومنعهم من الاستمرار في خياراتهم السياسية التفاوضية مع الكيان . وبالتالي تحول " اتفاق أوسلو " مع مرور الزمن إلى واقع مكرس . وفي هذه الحالة الفصائل من خارج أوسلو ، في نظر جموع الشعب الفلسطيني أيضاً تتحمل المسؤولية ، وإن ليس بقدر فريق أوسلو .
لفتني ما قاله رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خالد مشعل ، في معرض حديثه عن " اتفاق أوسلو " حين أقر " أن حماس ستتعامل بواقعية شديدة مع مسار أوسلو ، ولا يعني عدم الاعتراف بإسرائيل أن نمتنع عن القيام بخطوات تراعي ظروف الواقع ومتطلباته والمرحلة القائمة " . وأختم في القول ، إذا كان أصحاب أوسلو قد اعترفوا به بحكم التوقيع عليه من موقع الشريك في حينه ، أي في العام 1993 . فهل الفصائل الأخرى ، ونتيجة عجزها على إسقاط " اتفاق أوسلو " ، قد سلموا به بحكم هذه الواقعية الشديدة .