تاريخ النشر: 2018-10-02 | 13:14
تاريخ النشر: 2018-10-02 | 13:14
تعتمد عملية النهضة في كل حضارة على بؤر إشعاع حضاري لبعضها علاقة بمراكز ثقافة او مراكز اقتصاد او مراكز جذب جيوستراتيجي.. وعندما تخبو هذه البؤر وتنضب فانها تصبح عملية ضرب في الأوهام والأماني الخادعات.. وقد تتواجد هذه البؤر ولا يصلح التعامل معها او مع بعضها فتصبح فاقدة الجدوى بل قد توجه توجيها عكسيا فتصبح عالة على النهضة وفتنة للامة.
تمتعت امتنا طيلة دورتها الحضارية بمراكز إشعاع زودتها بإمكانات الاستمرار والعطاء منذ ان تكثفت جملتها الثقافية الإنسانية الأرقى في خطاب النبي والجيل القرآني الفريد فكان الإشعاع الحضاري الثقافي مميزا استطاع ان ينفخ في الأمة روحا جديدة تزيح عنها الغفلة والهوان والاوهام.. واستمر دفق هذا الإشعاع في بلاد الحجاز ليغطي بلاد الشام والرافدين مفيضا بنوره على الرقعة الجغرافية الممتدة على طول ساحل المتوسط الجنوبي.. وبعدها انطلقت إشعاعات حضارية متنوعة في دمشق وبغداد والأندلس زودت الدورة الحضارية بشروط الاستمرار حتى أصبحت الدولة الإسلامية مترامية الأطراف تضرب في عمق الزمن والجغرافيا كما لم تفعل من قبلها أية حضارة.
وفي طريق دورتنا الحضارية الى نهايتها وقبل سقوط الخلافة العثمانية وسقوط القدس كتتويج لهزيمة الأمة وانهيارها كانت الأمة تبحث عن إشعاعات حضارية هنا وهناك فكان الأزهر وعلماؤه والزيتونة وعلماؤها والحوزات العلمية ومنصات الثقافة هنا وهناك في تركيا وإيران وباكستان.. وقاد العملية علماء نابهون رواد تجديديون على رأسهم السيد جمال الدين الأفغاني وأصدقاؤه وتلامذته في البلاد الإسلامية لكن المهمة كانت اكثر شمولا وتنوعا وتحتاج الى مناخات مساعدة.. فكانت جهودهم مجرد صيحات في واد لم توقف انهيارا ولم تنهض بأمة رغم ما أسهمت به في تنبيه المسلمين الى خطورة الاستعمار وفي احيان وفي بلدان معينة قادت الشعوب للتحرر من ربقة الاستعمار كما كان دور ابن باديس وعبدالكريم الخطابي وعز الدين القسام الا ان التحدي كان اكبر من مجرد طرد جنود الاستعمار وهنا توقف العطاء الفكري والسياسي لعملية النهضة العربية الإسلامية وتشعبت الإجابات التي أمعنت في أحداث شروخ ثقافية اجتماعية أرهقت المجتمعات في تجارب فاشلة تحولت مع الزمن الى حزبيات مستبدة بروحها ومقولات معطلة للتقدم والتفتح.
وبعد السقوط الأخير لأمتنا وجد المصلحون أنفسهم إمام واقع متشابك وقد تبدلت مهمة الأشياء فلم تعد الثروات كما ينبغي ان تكون وظيفتها بل أصبحت فتنة على المجتمع والأمة ودربا للتخريب والإفساد لما تبقى من قيم وشبكة علاقات اجتماعية.. واستبدلت الأفكار من بحث عن النهة والتنوير والتجديد الى اغراق في سلفية الأقوال والسلوك المقيد بزمان ومكان فأصبحت الدعوة الى الأصولية دعوة الى تفجير المجتمع ماديا ومعنويا.. واستبدلت مهمات وادوار الرجال فبعد ان كان البطل هو من يدافع عن قومه وثقافته وهويته أصبح المتقدمون في المشهد هم اولئك التغريبيون المتزلفون للعدو والراهنون مستقبل شعوبهم لمصالح أعدائهم.
هل من إشعاعات حضارية في امتنا؟ ام ان هذه الأمة قد كتب عليها التلاشي كما تلاشت أمم أخرى وإمبراطوريات أخرى؟ هل عجلة التطور البشري تقضي بان تنصرف هذه الأمة الى متاحف التاريخ وسجلات المكتبات مستسلمة لأمزجة الرواة والمؤرخين وأهوائهم.؟ هل النهضة من العثار تشترط السماح لها من قبل الخارج المتحكم؟ أي المسارات تنهجها نهضة الامة بعد ان كادت التكنولوجيا الغربية تفرض على الامة تخلفا سحيقا؟
اسئلة عديدة تتولد من التحدي الكبير وبالتأكيد لن يكون سهلا تناول احد جوانبه دون التطرق الى الجوانب الاخرى وتصور الأولويات في عملية النهوض لكيلا تحدث الفوضى والارتباك الأمر الذي يقودنا الى التناحر الداخلي والتشظي على رغبات وأمزجة.. هنا تقف مسألة الحريات والتكافل والعلم والثقافة والصناعة والمدرسة وإعادة النظر في وظيفة المسجد وتطوير اللغة وتقويتها والالتفات الى الثروات الذاتية وكيفية استغلالها بأولويات وإعادة النظر في فكرة الحزب وإعادة تصور للعملية السياسية بما يتناسب مع هويتنا وشخصيتنا وحاجتنا..
نحن نتساءل بألم والأمة ليست في متسع من امرها ولكننا نؤكد ان عمر الأمة لم ينقض وإنها ستظل شاهدة على الناس وانها محملة بأمانة إلهية لخير البشرية يصدق هذا ما تكتنزه من عناصر النهضة وما عليه الغرب الاستعماري من انهيار منظومة الأخلاق والقيم على الصعيد الإنساني.. فكيف السبيل الى تفعيل ما لدينا؟
لدينا كفاح وطني صاغ مشاعر العزة القومية فينا ونبهنا على مخاطر جمة يصنعها الاستعمار الغربي الحديث وأصبحت حركات التحرر الوطني في بلداننا هي اهم إشعاعات حضارية ولكنها مهددة بالانحراف والإفراغ من مضامينها.. ولقد حاول الغرب الاستعماري خلق طابور خامس وثورات مضادة لتدمير رموزنا القومية والدينية باختلاق رموز هزء ومقولات منحطة و تغيير معالم روايتنا الحضارية والنضالية.
ولحسن حظ الأمة ان ابتلاها الله بقضية فلسطين وما لها من قداسة عليها قد حصل إجماع الأمة وهي على هذا الاعتبار تكون المحرك النفسي القادر على إماطة اللثام عن طبيعة العلاقة بيننا والغرب الاستعماري وما يتبع ذلك من ضرورة الاستفادة من أشيائنا وضرورة بناء قوة حقيقية لنا نسترد بها كرامتنا.. وهنا نسير في الخط المعاكس لتيار الاستعمار الغربي المعاصر ونكون قد ابرزنا إشعاعاتنا الحضارية التي يمتلك كل شعب من شعوبنا بعضا منها اما مقاومة للمستعمر او ثقافة متميزة او إمكانات جيواستراتيجية مدهشة.
من جديد تبدو الأهمية قصوى بضرورة التأكيد على ان الأمة لازالت تمتلك إشعاعات حضارية كافية وهي تنبعث من إشراق فلسطين في الوعي والضمير الجمعيين ومن هنا تتولد اهمية استراتيجية جديدة للقضية الفلسطينية تلك التي تسهم في الوعي وما يقود اليه من فعل لى طريق النهضة والوحدة.
العملية شاقة ومتعددة السبل وتحتاج وعي وعزيمة وصبر ولكنها حتمية ولامناص منها ولا بديل للبشرية ولنا عنها.. فلقد اظلم الغرب بمظالمه وعنصريته وحيوانيته مهما حاول تزيين نفسه بأشكال من القوانين وأصبحنا وجها لوجه مع مهمتنا التاريخية لنكون شهداء على الناس.