تاريخ النشر: 2023-07-02 | 04:50
تاريخ النشر: 2023-07-02 | 04:50
أربعة أيام على احتجاجات الغضب غير المسبوقة في فرنسا. هي أعنف بكثير من أحداث مشابهة سبقتها وخصوصا تلكالتي حصلت عام 2005 زمن جاك شيراك ووزير داخليتهنيكولا ساركوزي على خلفية سلوك عنصري واضطهاديخطير ضد بعض المهاجرين الأفارقة.
تفسير ما يجري في فرنسا يضاعف من حقيقة الأمر، فعباراتمثل "الحرب الأهلية تخيّم على فرنسا، و "شعرة رفيعة جداًتفصل فرنسا عن الحرب الأهلية"، أخذت تنطلق على ألسنةالنخب الفرنسية التي ربما على أصحاب الرؤوس الحاميةمنها الاستعانة بفقيه علم فبركة الثورات المسمومة برنار هنريليفي، علّه يسعفها ببعض وصفاته الشيطانية.
شرارة إحتجاجات الغضب المكنون وغير المكبوت، اندلعت علىخلفية إقدام شرطي فرنسي على اطلاق النار على فتى منأصول جزائرية بدم بارد وبدون مسوّغ أو مبرّر قانوني. وذلكبخلاف ما حاولت بعض الأطراف العنصرية الفرنسية إشاعته،الأمر الذي عزّز من أوار نار الغضب المشتعلة في صدورالمحتجين الذين حوّلوا شوارع وساحات المدن الفرنسيةالأساسية وخصوصاً باريس الى كتل متناسلة من النيران التيتلتهم كل ما تصله ألسنتها.
بدون شك، وككل احتجاج أومشروع ثورة، ثمة من ركب موجةالاحتجاجات العنيفة على مقتل نائل الجزائري الذي يشببهكثيرون بـ "بوعزيزي فرنسا"، ونحن هنا لسنا بمعرضتوصيف تفاصيل الاحتجاجات وألسنة النيران التي لا تقوىعليها خراطيم المياه. ما نحن بصدد قوله، أنّ مشروع إدماجالمهاجرين الذي يعتبر مشروع كل رئيس وحكومة فرنسيةيعاني مأزقاً يهدد كينونة فرنسا بعدما ثبت فشله. وما نحنبصدده أيضاً، هو أن الجمهورية الخامسة تلفظ أنفاسها،خصوصا اذا ما انزلقت الامور للحرب الأهلية، في ضوء تقييدالحكومة الماكرونية لمواقع التواصل الاجتماعي ونزوعهاباتجاه الحل الأمني، ما يدعو الحكومة الفرنسية فضلاً عنالنخب الفرنسية المنبثقة من كافة المكونات الفرنسية الشروعفي اعداد الوثيقة التأسيسية للجمهورية السادسة المنطلقة منالمتغيرات الديموغرافية والدينوغرافية فضلاً عن الفجواتالاجتماعية والاقتصادية في الواقع الفرنسي.
بدون شك، يشكل التوتر السياسي العميق بين فرنسا والجزائرعاملاً أساسياً في تزخيم الإحتجاجات. سيما وأنه يتملكالجزائريون شعور عميق بأنّ فرنسا لم تزل تكابر في معالجةالجراح العميقة للذاكرة الجزائرية، كما وترفض الاعتذار عناستعمارها للجزائر ودفعها للتعويض، اقتداءً بالسابقةالقانونية التي أرساها العقيد القذافي عندما أجبر إيطالياعلى الاعتذار ودفع التعويض عن فترة احتلالها لليبيا، وايضاًعن عشرات الاف المنفيين الذين لقواء حتفهم في بحار ايطالياومنافيها وذلك حتى لا يتكرّر الاستعمار مرة أخرى. إنهاالسابقة التي حتى لا تعتبر تدشيناً لعصر جديد في العلاقاتالدولية، دفعت الدول الاوروبية بزعامة فرنسا الساركوزية ومنخلفها الولايات المتحدة، للمسارعة في الإجهاز على ليبياالقذافيّة، حتى لا تقتدي دول عربية وافريقية اخرى بها فيالمطالبة بالاعتذار والتعويض.
العلاقات المتوترة بين فرنسا والجزائر، وصفها الرئيسالجزائري عبدالمجيد تبّون بأنها علاقات المشاكل، ولهذا فضلروسيا على فرنسا وخلال زيارته موسكو منتصف الشهرالماضي الذي وللمفارقة كان الموعد المقترح لزيارته باريس فيذات الوقت. لكن معسول الكلام الذي كان يبيعه الرئيسالفرنسي ايمانويل ماكرون للجزائريين، سرّع خطوات الرئيستبّون باتجاه التعجيل بانضمام بلاده لمنظمة البريكس خلاللقائه الرئيس الروسي بوتين. ومن موسكو أطلق تبون مواقفنوعية وخطيرة استفزت ماكرون والادارة الفرنسية لأبعدالحدود، خصوصاً لدى تخشين صوته بالقول "أنه يريدالعلاقات الندية، أي الندّ للند"ّ، وبدا تبّون مباشراً في تهديدهووعيده لفرنسا دون أن يسميها بالقول "من يمسّنا نمسه".
لكن الصلية الخطيرة التي سدّدها تبّون لفرنسا، كانت فيالمرسوم الجمهوري الذي أصدره ويقضي باعادة الفقرة الثالثةمن نشيد الجزائر التي تتوعد فرنسا بدفع الحساب. وقد فعلهذا المرسوم فعله ليس في الشعب الجزائري والمهاجرينالجزائريين خاصة فحسب، وإنما في الشعوب العربية عامةوالفلسطيين على وجه الخصوص. تماماً كما فعل هذا النشيد،فعله المعاكس في الحكومة والبرلمان الفرنسي الذين أرغواوأزبدوا تجاه إعادة هذه الفقرة التوعدية لفرنسا الى النشيدالرسمي للجزائر.
ربما على الغرب عامة وفرنسا بنخبها الفكرية والسياسيةخاصة، أن يعمدوا لاجراء المراجعات العميقة تجاه السلوكالإستعماري والإستعلائي الذي لم يغادر تفكيرهم البتة، وأنيركنوا الى الاقتناع بأن القنبلة البشرية العربية والمسلمة ربماستكون أشد فعالية من قنابل الموت والدمار القائمة علىاستعباد الشعوب والسطو على ثرواتهم ومقدراتهم كما يحصلفي بلادنا العربية والافريقية، فيقلعوا عن التفكير بالإستعمارمرّة أخرى، ويدفعوا التعويض ويقدموا الاعتذار عن ماضيهمالأسود والملطخ بدماء العرب والمسلمين، ليؤسّس على هذاالاعتذار والتعويض فيما لو أقدموا عليه، إرساء قيم الأنسنةوالسلام الحقيقي والتنمية للجميع والتي يحتاجها العالمالمهدّد في وجوده كما في لقمة خبزه..
وللحديث بقية.