في خضم إشتداد الصراع بين الحق والباطل، الشرعية والإنقلاب عليها، الوحدة الوطنة والإمارة الإخوانية، وفي أعقاب دعوة الرئيس محمود عباس لتخلي حركة حماس عن كل ملامح ومراكز ومؤسسات الإنقلاب على الشرعية الوطنية في محافظات الجنوب، وتسليم حكومة التوافق الوطني مهامها في الإشراف الكامل على مقاليد الأمور، أو إضطرار القيادة لإتخاذ إجراءات وطنية صارمة تحول دون الإنفاق على الإنقلاب الحمساوي. تدرع عدد من قادة الإنقلاب في جلسة لما يسمى "المجلس التشريعي" الصوري الإسبوع الماضي بسلاح "المنجانيق" اللغوي المنفلت من عقاله، والهابط إلى أدنى درجات الإنسحاق الرذائلي والتخويني والتكفيري، الذي صُّب على شخص الرئيس ابو مازن. وبلغ الإنحدار الدرك الأسفل حينما طالب عدد من قادة الإنقلاب الحمساوي الدعوة ب"قتل" الرئيس عباس.
ويعتقد المرء، أن الدعوة ليست جديدة، لا بل إن تاريخ الإنقلاب على الشرعية وما سبقه من إشتباكات محتدمة بين قوات واجهزة أمن الشرعية وميليشيا حركة حماس او ما أطلق عليها في حينه "القوة التنفيذية"، التي للإسف الشديد شكلت بموافقة القيادة في 17 مايو/ايار 2006، ومعها كتائب القسام، هو تاريخ تصفية عناوين ومراكز قرار الشرعية الوطنية، وفي طليعتها "تصفية" شخص الرئيس ابو مازن. ومن يعود بالذاكرة للخلف قليلا، ويستحضر النفق، الذي تم إكتشافه بعد إعداده للوصول إلى بيت الرئيس في مدينة غزة قرب دوار صلاح القدوة (ابو المشرف)، وحفر الأنفاق على طريق مرور موكب الرئيس من معبر بيت حانون إلى مقر المنتدى، والعمليات العسكرية المفتعلة، التي كانت كتائب القسام مع أدواتها من المرتزقة من قوى نافذة في غزة تقوم بها اثناء تنقل موكب الرئيس ابو مازن، جميعها مؤشرات واضحة، كان الهدف منها التخلص من رمز الشرعية الأول محمود عباس. وبالتالي دعوة كل من مروان ابو راس، ومشير المصري، ومحمد فرج الغول ومحمود الزهار، ليست جديدة بالمعنى الحرفي للكلمة، إنما هي إمتداد وتعميق لخيار الإنقلاب الإخواني اواسط حزيران 2007، الذي شاء القائمون عليه تدمير وتصفية كل مرتكزات الوحدة الوطنية، وشرذمة وتفتيت وحدة النسيج الوطني والإجتماعي والثقافي الفلسطيني. لاسيما وانه جزء لا يتجزأ من المخطط المعد مسبقا، ورأس حربته،الذي إستهدف، ويستهدف دول وشعوب الأمة العربية، وهو إستحقاق لترسيم الإنقلاب الحمساوي في الوطن الفلسطيني.
إذا الصعود والهبوط في الخطاب الحمساوي تجاه مسالة المصالحة، وتطبيق الإتفاقات المبرمة، ليس سوى تسويف ومماطلة وشكل من اشكال المناورة، بهدف كسب الوقت بإنتظار تغير شروط الواقع الموضوعي، وايضا لترويض الشارع الفلسطيني ولتضليله في آن، والسعي لقلب الحقائق راسا على عقب، من خلال تحميل القيادة الشرعية وخاصة شخص الرئيس ابو مازن تبعات الإنقلاب الحمساوي. وكلما كان شعار "المقاومة" الديماغوجي والفارغ من اية مضامين وطنية يعلو ويرتفع عبر منابر وأصوات قادة حركة الإنقلاب الحمساوي، كلما كان صوت وأدوات التمزيق والتفتيت يرتفع بالتوازي مع ما تقدم، وكلما تعمقت عملية التجذير للإنقلاب في الواقع. ولا تقتصر على اللجنة الإدارية، بل تشمل كل مناحي الحياة في قطاع غزة.
رغم وضوح المخطط الحمساوي الخاص والإخواني العام، إلا ان بعض القيادات والقوى، عملت على لي عنق الحقيقة والحقائق الدامغة، لتغطي عوراتها، او لقاء اثمان قبضتها من حركة حماس او من القوى العربية والإسلامية الراعية لها. ومع ذلك، وفي حال أغمض المرء العين عن المخطط الخطير، الذي لم تسقطه قوى الشر حتى الآن من اجندتها وحساباتها، والذي تقوم جماعة الإخوان المسلمين وفروعها بالدور الرئيس في تنفيذه داخل فلسطين والدول العربية المستهدفة بالتقسيم، وتساوق مع الإتجاه السطحي المنادي بتطبيق ورقة المصالحة المصرية وإعلاني الدوحة والشاطىء، فهل دعوات ابو راس والمصري والغول والزهار تخدم من قريب او بعيد هذا التوجه؟ ولماذا التصعيد الآن؟ ما هي الرسالة، التي يريدون إيصالها للداخل والخارج؟ وهل إرتدادات هكذا مواقف وتصريحات تخدم التوجه الوحدوي، إذا إفترضنا وجوده؟
من المؤكد أن تصريحات ابو راس واقرانه من قيادة الإنقلاب، انما تصب الزيت على نيران تعميق الإنقسام. وتبغي إيصال رسالة لكل المشككين بالقيادة الشرعية للرئيس عباس، بأنه لا يمثل الكل الفلسطيني عشية لقائه مع الرئيس الأميركي ترامب. وهي رسالة واضحة تصب في مصلحة الخيارالإستعماري الإسرائيلي، الذي يشكك بشرعية ابو مازن. فضلا عن تعميم لغة التخوين والتكفير وقتل الآخر الوطني وفق منطق ومقولة "إدخل به الجنة!"، التي كانت ميليشيات حركة حماس أثناء الإنقلاب الأسود تستخدمها لتبرير قتل المناضلين من ابناء حركة فتح والأجهزة الأمنية. وبالتالي الإرتدادات خطيرة جدا. ولا تنسجم مع ابسط قواعد الديمقراطية وحرية الرأي والإختلاف وحماية النسيج الوطني والجتماعي والثقافي، وهو ما تعمل عليه قيادة حماس، وغير ذلك من مواقف، ليست سوى جزء من المناورة والضحك على الدقون. لذا ادعوا الجميع للإستيقاظ من نومهم، والإبتعاد قليلا عن منافعهم الخاصة، وتغليب مصلحة الوحدة والوطن والشعب على ما عداها لبلوغ المصالحة الوطنية الحقيقية، والإنتصار للمشروع الوطني.