المانيفستو الاخير لأبو بكر البغدادي "ولو كره الكافرون" رسم خط سير العمليات المقبلة. وبقبوله المبايعات الجماعية من فصائل منتشرة في أكثر من بلد عربي، بمن فيها "أنصار بيت المقدس" في سيناء، يخطط لأوسع "تمدد" لدولته الاسلامية ، وينصب نفسه خليفة، لا على بلاد الشام والعراق فحسب، وإنما على الجزء الاكبر من العالم العربي.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطبته أمام رجال دين مسلمين من أميركا اللاتينية، ذهب أبعد من ذلك. أعاد اكتشاف أميركا، بادعائه أن مسلمين (ربما كانوا أتراكاً ايضاً) وصلوا قبل كريستوف كولومبوس الى القارة الجديدة، وتحديداً عام 1178.
قد يفكر البغدادي في اصدار تسجيلاته الصوتية، بما فيها الاخير، في ألبوم في أحسن الاحوال، بعدما وزّعت كلمته الاخيرة على قرص مدمج عليه صورته في الرقة ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة تنظيمه. أما أردوغان، فيبدو أنه لن يكتفي بإضافة موقفه الاخير الموجه هذه المرة الى واشنطن، الى سجل استفزازاته لخصومه السياسيين والاقليات ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يبدو مصراً على اعادة "تصحيح" التاريخ، وسحب حقوق اكتشاف اميركا من كولومبوس الذي سجلت القارة الجديدة باسمه، وإن يكن اكتشفها من طريق الخطأ.
الصحف التركية الموالية للرئيس التركي تتبارى لاثبات صحة نظريته. صحيفة "أكجام" استندت الى دراسة أعدها الاستاذ في علم الحيوانات اللافقرية في جامعة هارفرد باري فل لتقول إن الاسلام وصل الى أميركا قرابة عام 650، وإن آثار مدارس دينية اسلامية تعود الى تلك الحقبة وجدت في كل من كولورادو ونيو مكسيكو وانديانا. وأوضحت الصحيفة ولكن من دون مصادر هذه المرة، أن كتابات عربية قديمة وجدت قرب جبال في نيفادا في خمسينات القرن الماضي. وتنضم التلفزيونات الرسمية الى الحملة باستضافتها خبراء يتجادلون حول"علميّة" ادعاءات رئيسهم.
الخصوم السياسيون لاردوغان يستبعدون أن يكون الرئيس "الذي لا تربطه علاقة جيدة" بالكتب، قد قرأ بنفسه مذكرات كولومبوس، ويرجحون أن يكون أحد مستشاريه هو الذي زوده معلومات خاطئة بعد جولة سريعة على الانترنت. فقصة المسجد على الساحل الكوبي التي تطرق اليها أردوغان ونسبها المؤرخ الكندي اللبناني الاصل يوسف مروة الى مذكرات كولومبوس،ليست جديدة، وسبق لمؤرخين كثر أن حسموا الجدل في شأنها، موضحين أن إشارة كولومبوس كانت مجازية تصف معالم جبل تشبه جزءاً من مسجد.
لا شيء ثابتاً تاريخياً قبل كولومبوس عن اكتشاف القارة أو عن أن أحداً استطاع عبور ما كان يطلق عليه بحر الظلمات. ومع أن الروايات كثيرة وإحداها عن الفينيقيين، فهي تبقى مجرد حكايات قد يكون لها أصل تاريخي أو لا. لكن اصرار أردوغان على اعادة كتابة التاريخ وعزمه على اعادة بناء المسجد "الافتراضي"، يضعانه في خانة زعماء من طينة البغدادي وربما أقوى.
عن النهار اللبنانية