تاريخ النشر: 2016-07-22 | 10:36
تاريخ النشر: 2016-07-22 | 10:36
كان منتظراً أن يعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حالة الطوارئ العامة في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، بما يسمح له بتعقب الضالعين في المحاولة الانقلابية الفاشلة، ويمكنه من إعادة هيكلة السلطة حتى لا تتكرر مثل هذه المحاولات التي ظن الأتراك، وأردوغان نفسه، أنها أصبحت شيئاً من الماضي، ولن تجد لها محلاً وسط التقاليد الديمقراطية التي يفترض أنها راسخة.
أوضحت الأيام التالية لليلة 15 يوليو/تموز أن الشعب التركي، بأغلب أحزابه ومنظماته، يرفض منطق الانقلابات العسكرية، ومستعد للذود عن المؤسسات الدستورية المنتخبة، وتضامنت هذه المواقف مع حزب «العدالة والتنمية»، لا سيما من خصومه السياسيين، مثل حزب «الشعوب الديمقراطي»، والحزب «الجمهوري»، وأظهرت النخب التركية وحدة نادرة ضد حركة الانقلاب، ولكن دوام هذه الوحدة مرهون بالسياسات المنتظرة لحزب أردوغان تحت حالة الطوارئ، حيث سيخوض امتحاناً عسيراً، إما أن يبرهن من خلاله أنه ديمقراطي أصيل، وإما أنه عازم على تصفية «الدولة العميقة»، وخصومه، وهي مرحلة سيكون الخطأ فيها بمثابة الكارثة، وستكون الفرصة الأخيرة لتغيير كثير من سياسات تركيا في السنوات الأخيرة، سواء المتعلقة بالشأن الداخلي والعلاقة مع المعارضة، أو ما يتعلق بالسياسة الخارجية التي جمعت كثيراً من الأعداء في دول الجوار، وأنتجت علاقات متوترة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا، وحتى الولايات المتحدة.
في خطابه الذي أعلن فيه فرض الطوارئ، اعترف أردوغان بأن المرحلة التي تمر بها تركيا عصيبة، وأشار إلى أن «العملية الانقلابية ربما لم تنته»، وهي إشارة كثيفة الدلالات بالنظر إلى التهديدات التي تطل برأسها من أكثر من جانب، من بينها ما يشبه حالة التمرد العسكري في ضوء اعتقال آلاف العسكريين، من بينهم نحو 118 جنرالاً وأميرالاً يمثلون نحو ثلث نخبة الجيش، وهي خسارة فادحة، فضلاً عن عمليات الاعتقال والتطهير التي طالت أكثر من 50 ألف موظف ومسؤول. ولا يختلف اثنان على أن هذه الإجراءات قاسية، وخطرة في أبعادها السياسية والأمنية والعسكرية، وتمثل بحد ذاتها انقلاباً في الدولة التركية، وتثير مخاوف جمة على استقرار البلاد، على المديين القريب والمتوسط، إذا سارت الأمور كما تشتهي الحكومة التركية.
هناك إجماع إقليمي ودولي على أن استقرار تركيا ضمان كبير لأمن المنطقة، التي تعاني حروباً وصراعات وتصدعات فائقة الخطر، ولا تتحمل أن تصاب فيها دولة أخرى بأزمة قاتلة. ورغم التحفظات الكثيرة على سياسات أردوغان الخارجية، إلا أن استمرار نظامه أفضل من سقوط تركيا في المجهول. ولا شك في أن المحاولة الانقلابية الفاشلة قد شحنت الحكومة الحالية بقناعات وتصورات مغايرة لتلك التي سارت عليها في السنوات الماضية، وأولاها أن هذه الحكومة، إذا استمرت، ستنشغل بوضعها الداخلي طويلاً قبل أن تعود بسياسة خارجية جديدة تحلم بإعادة تطبيق معادلة «صفر مشكلات» مع الجيران، وهي السياسة التي انتهجها أردوغان في السنوات الثماني الأولى لحكم «العدالة والتنمية»، قبل أن ينجرف في مطاردة سراب «الثورات» في المنطقة العربية. ولكن الزمن لا يعود إلى الوراء، والانقلاب الذي فشل، ربما منح تركيا فرصة أخيرة لإعادة بناء دورها الإقليمي، انسجاماً مع متطلبات «الانقلابات» الظاهرة والباطنة في سياسات المنطقة.
عن الخليج الاماراتية