تاريخ النشر: 2015-12-20 | 10:03
تاريخ النشر: 2015-12-20 | 10:03
في 9 ديسمبر/ كانون الأول 1987، عاش مخيم جباليا فاجعة استشهاد ستة من أبنائه، لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يقصدون سبيلهم، (كما مئات آلاف العمال الفلسطينيين)، بحثاً عن قوتهم وقوت عائلاتهم في «مناطق 48» التي اقتلعوا منها، وطال صبرهم على العودة إليها. كان ذلك قبل 28 عاماً، حيث أوقد سكان مخيم جباليا نار مدافئهم لاتقاء برد الشتاء، وقدحوا شرارة نار إطارات مشتعلة وزجاجات حارقة، ليكون الحادث عود الثقاب الذي أشعل فتيل انتفاضة شعبية عارمة شقت عنان السماء، ودخلت بحروفها المكتوبة بمداد من دم ونار، إلى القواميس العالمية، حيث هبّ الشعب الفلسطيني، شيباً وشباناً، نساء ورجالاً، ومن كل الفئات الاجتماعية، في عموم شوارع المدن والقرى والمخيمات.
ارتبك وزراء حكومة الاحتلال الصهيوني آنذاك، خصوصاً وزير الحرب رابين الذي كان تمنى «لو أن البحر يبتلع غزة»، لكنه، من فرط عنصريته ووهمه بأن «الفلسطينيين يخضعون للقوة»، وبأن «تحسين شروط معيشتهم»، وليس تطلعهم للحرية والاستقلال، هو محركهم الأساسي، أمر، (رابين)، بتكسير العظام، فصب الزيت على نار الانتفاضة. وأمر بإخراج الأطر والمنظمات القطاعية والنقابية والجماهيرية على القانون، فصارت «اللجان الشعبية» عناوين الوطنية الفلسطينية في كل حي. وأمر بمداهمة المدن والقرى والمخيمات، فواجهته لجان الحراسة والمقاومة. وأمر بفتح معتقلات جديدة في أقاصي صحراء النقب، فصارت مدارس للثورة والانتفاضة.
في حينه واجه الاحتلال وجيشه وأجهزته الأمنية شعباً، منظماً، منتظماً، ومنضبطاً لتوجيهات «قيادة وطنية موحدة»، خرجت من صلبه، وتقدمت صفوفه، وأصغت لرغباته، وطال أعضاء تشكيلاتها سيف الاعتقال والإبعاد إلى خارج الوطن، فنالت ثقته واستحقت أن تكون قيادة ل«الانتفاضة الكبرى» التي أتعبت الاحتلال، وحيدت، بطابعها الشعبي، قوته العسكرية، وتفوقت عليه سياسياً وأخلاقياً، بل وجعلت دحر الاحتلال وانتزاع «الحرية والاستقلال»، الهدف السياسي الناظم للفعل الميداني، إمكانية واقعية. أما الشعب المنتفض عن بكرة أبيه، فلم يتعب، بل ظل عنفوان الميدان هو سيد الموقف.
بذلك وقعت قيادة المنظمة في التقدير السياسي الخاطئ، فعوض التمسك بورقة الانتفاضة وتعميقها وتطويرها لدفع الصراع إلى استعصاء سياسي لا فكاك منه إلا بزوال الاحتلال بأشكاله، حملتها للدخول في معركة دبلوماسية، ظناً منها، أنها حققت تعادلاً في ميزان القوى ولكن الاحتلال تعامل مع الحركة الفلسطينية بابتزاز حتى اعتصر منها أوسلو الذي قطع السياق. وحين انسدت الآفاق أمام المفاوضات بانتهاء العمر الزمني لأوسلو في مايو/ أيار 1996، كان لا بد من مواجهة، فاندلعت هبة النفق المسلحة عام 1996، وشكلت بروفة لانتفاضة ال2000، لكن ظروفها المختلفة سرعان ما حولتها، مقارنة بانتفاضة 87، إلى انتفاضة شبه عسكرية، استطاع الاحتلال أن يضربها ضربة قاسية بالاجتياح وحصار مقر الشهيد ياسر عرفات، لندخل بعدها مرحلة مفاوضات «مؤتمر أنابوليس»، بعد انقسام داخلي مدمر ما زالت مفاعيله تفعل فعلها.
والآن، في الذكرى 28 لانتفاضة 87، وفيما تجترح انتفاضة القدس المستمرة مساراً ميدانياً للقطع مع خيار مدريد-أوسلو العقيم، وضمناً مع خيار الانقسام العبثي، كشف استطلاع للرأي أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، وحظيت نتائجه باهتمام سياسي عالٍ، عن رأي الحالة الشعبية الفلسطينية في نخبها القيادية وخياراتها، سواء لإدارة التناقض الأساس- الصراع- مع الاحتلال، أو لإدارة التناقضات الثانوية داخل الصف الوطني. فحسب هذا الاستطلاع ثمة 67% من المستطلعة آراؤهم يؤيدون استخدام السكاكين في المواجهة الجارية مع الاحتلال، و66% يعتقدون أن تطوير المواجهات إلى انتفاضة مسلحة هو الكفيل بتحقيق الحقوق التي لم تستطع المفاوضات تحقيقها، فيما 50% يرون أن الانتفاضة الشعبية الواسعة هي الكفيلة بتحقيق هذه الحقوق. هذا بينما يؤيد 60% الانتفاضة، شعبية كانت أو مسلحة، و68% يؤيدون التخلي عن أوسلو، و64% يدعمون وقف التنسيق الأمني، فيما 52% يعتقدون أن «إسرائيل» سوف توقف الاستيطان إذا تخلى الفلسطينيون عن أوسلو. أما «حل الدولتين» فيؤيده 45%، فقط، بينما يعارضه 54%. واتصالاً بكل ذلك تراجعت شعبية السلطة الفلسطينية لدرجة غير مسبوقة، ف (70%) غير راضين عن أداء قيادتها ويؤيدون استقالة رئيسها، ويرون أنها سلطة فاسدة، وأن قيادتها غير جدية في التخلي عن أوسلو. أما شعبية طرفي الانقسام، «فتح» و «حماس»، فتدنت، حيث حصل كل منهما على تأييد 33%، فقط، بينما بلغت نسبة التشاؤم تجاه إمكانية تحقيق «المصالحة الوطنية» 66%.
ولا عجب. فعلى الرغم من مرور 8 سنوات على الانقسام، أبدع الشعب الفلسطيني، وطور هبة القدس إلى شكل انتفاضي جديد، يتصدره جيل جديد خلَّف خيار أوسلو والانقسام وراء ظهره، واستعاد زمام المبادرة، وخيار المقاومة والوحدة، باعتباره الخيار الوحيد والموثوق لدحر الاحتلال وانتزاع الحرية والاستقلال. إننا أمام شعب يقود نخبه القيادية نحو الطريق الأصوب لإنهاء الاحتلال وانتزاع هدف الحرية والاستقلال، من جهة، ولإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، من جهة ثانية.
فهل نراهن على الشعب الذي لا يكل؟ نعم. ولكنها الطاقات البشرية المحدودة تفعل فعلها، وعليه فإن الشعب لن يرحم كل من تهاون مع دمه، وسيصدر حكمه القاسي عليهم في لحظة حساب عسيرة. وفي نتائج الاستطلاع آنفة الذكر ما يغني عن الشرح.
عن الخليج الامارتية