الموقف السعودي باعتبار جماعة الأخوان المسلمينو داعش، و جبهة النصرة و حزب الله و القاعدة كيانات إرهابية بدأ يخلق ردات فعل واسعة في المنطقة و في العالم، فليس هناك صحيفة ذات شأن في العالم إلا و أفردت مساحة مهمة من التحليل لأبعاد و تداعيات هذا القرار النوعي الشجاع، لأن الجميع يعلمون أن القرارات التي تصدر عن المملكة العربية السعودية بهذا الحجم هي دائماً قرارات متحفظة، و لا تصدر إلا عن رؤية و عمق و حسابات واسعة النطاق، و خاصة و أن هذا القرار جاء من سياق طويل، و هذا السياق هو استنهاض شامل و جديد لمنظومة الأمن القومي العربي!!!
و قد بدأ هذا السياق في أعقاب الثورة المصرية الثانية في الثلاثين من حزيران العام الماضي، حين تم إسقاط حكم الأخوان المسلمين الذي بالكاد استمر لمدة سنة واحدة، و لكنه في هذه السنة كشف عن تورطه في منظومات و صفقات خطرة جداً، مثل استجلاب الإرهاب إلى صحراء سيناء، ز معروف أن سيناء مفتوحة على شواطئ البحرين الأبيض و الأحمر، و مفتوحة على فلسطين و إسرائيل و الأردن و السعودية من جبهة الشرق و على ليبيا من جهة الغرب، كما أظهر الأخوان المسلمون في تلك السنة من حكمهم استهتاراً بتعدي حدود المنطقة بالدولة الوطنية و القومية، و خروجاً مفضوحاً عن ضرورات الأمن القومي، و القفز من فوق المصالح العربية و الإستراتيجية لصالح ارتباطهم مع قوى إقليمية و مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي بدأ استخدامه كخنجر ضد أمن الدول العربية و مصالحها.
بعد ثورة الثلاثين من حزيران 2013 بدأ التحريض الواسع ضد مصر و ضد شرعنة النظام الجديد، و كان يمكن لهذه الموجة أن تتوسع لولا القرار السعودي الذي أعلن وقوفه الكامل مع مصر و جيشها و مع النظام الجديد و خطته للمستقبل، و قد جاء ذلك القرار السعودي بأوضح رسالة ممكنة، لأنه جاء مباشرة على لسان خادم الحرمين الشريفين، العاهل السعودي، الملك عبد الله عبد العزيز و ليس عبر مستوى آخر و لا حتى عبر القنوات الأخرى العديدة التي تمتلكها المملكة.
و كان ذلك القرار السياسي الخارق مصحوباً بدعم مادي ملحوظ و ظاهر و مؤثر و لا يمكن تجاهله و الذي كان له تداعيات بالغة الأهمية في إعادة قراءة ما يجري في مصر سواء على صعيد الإقليم أو على الصعيد الدولي.
ثم جاء الموقف السعودي الإماراتي البحريني الذي وجه إنذاراً قوياً إلى دولة قطر من خلال سحب السفراء، و التأشير القوي بأن دولة قطر عليها أن تعود إلى بيتها الخليجي، و هذا معناه ضرورة عودتها إلى منظومة المن القومي العربي و ضروراتها الملحة، بل إن القرار في جوهره لم يفرق بين ما هو ضرورات خليجية و ضرورات الأمن القومي العربي الأخرى، و أن انضباط قطر في البيت الخليجي لا يبرر عدم انضباطها لمصالح الأمن القومي العربي.
و قد رأينا كيف أن الرد على هذا السياق المتواصل من القرارات السعودية جاء من نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية، و كان رد الفعل مثيراً للدهشة، فقد ثارت الأسئلة بأي لسان يرد نوري المالكي، هل يرد بلسان الشعب العراقي الذي يرسل جيشه ليقتله في الأنبار، أم بلسان إيران؟؟؟ و كيف لرجل يقف على رأس الدولة العراقية الآن أن يرد و يطلق الاتهامات بهذه الطريقة العشوائية؟؟؟
القرار السعودي هو محاولة جادة في سياق طويل لاستنهاض منظومة الأمن القومي العربي، و تشكيل محور حقيقي لقيادة العمل العربي المشترك على ركائز موضوعية و قوية قادرة على دفع منظومة الأمن القومي إلى الأمام لتكون قادرة على تحمل أعباء قضاياها الرئيسية و أولها القضية المركزية القضية الفلسطينية التي تشهد الأن أعنف لحظات الاشتباك السياسي مع إسرائيل التي تهرب إلى التأزيم السياسي و التصعيد العسكري هروباً من أي التزام.
بهذا التوجه السعودي نحو استنهاض منظومة الأمن القومي العربي، يمكن للعرب التغلب على مشاكلهم البينية، و الخروج من مرحلة تقديم الغطاءات المجانية لهذا الطرف الدولي أو ذاك.
لدينا إذن كمجموعة عربية ما تحتشد حوله و تشكل جدار ضد قوي في قمة الكويت المقبلة قبل نهاية هذا الشهر، لدينا هذا التوحش الإسرائيلي الذي وصل إلى حد أن يصعد حاخام مجنون و هو الحاخام "جليك" إلى سطح مسجد الصخرة في استفزاز واضح، و تصعيد التأزيم السياسي و التهديد العسكري من قبل حكومة نتنياهو، و لدينا ضرورة الوقوف القوي مع الرئيس الفلسطيني أبو مازن في لقائه القادم مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، و لدينا مهمة استعادة سوريا في عملية الاستنهاض الجديد، و لدينا في القمة جدول أعماق كبير على مستوى العلاقات البينية، و المعركة كبيرة جداً، معركة وجودية كبرى، ذلك أن العالم يتغير بقوة و يجب علينا أن نكون حاضرين في قلب هذا الغير لحماية وجودنا و مصالحنا القومية.