علامات على الطريق
لك المجد يا غزة، ذلك الشريط الضيق من الأرض، المخنوق بين الماء و الصحراء، و الذي ولد من رحم النكبة، المرسوم على هيئة علامة سؤال سرميدية، المزدحم بأهله قرابة مليونين، يمثلون في حصارهم كل فلسطين، فليس هناك موقع في فلسطين التاريخية من عكا إلى رأس النقب و من النهر إلى البحر، إلا و فيه عائلة موجودة في غزة، هكذا خلق هذا النسيج الفريد، و هكذا استطاعت غزة بنوع من العناد الخارق و الصبر الأسطوري أن تحافظ على اسمها الفلسطيني، و عنوانها الفلسطيني، و وعدها الفلسطيني حتى و لو كره الكافرون.
ما الذي فعلته غزة بإسرائيل حتى تستحق كل هذا الموت المعربد في الطرقات؟؟؟ كل الطائرات و أحدثها القادمة فوراً من مخازن السلاح الأميركية!!! و كل أنواع القذائف و القنابل و أحدثها التي تبتر الأذرع و السيقان و تفصل رؤوس الأطفال عن أجسادهم، و التي ينتظر الأميركيون نتائج استخدامها في لحمنا الحي حتى يعتمدوها في جيشهم!!! و كل أنواع الدبابات، و الزوارق و المدمرات البحرية، و كل مكتشفات التكنولوجيا الحديثة من السلاح!!! ماذا فعلت غزة حتى تستحق كل هذا الموت، و الحقد، و تراكم الكراهية، و انكشاف الإنحطاط الأخلاقي من أعدائها الصهاينة و من يحالفهم و يساندهم و يشد على أيديهم صباح مساء، و يبرر لهم ما يفعلون؟؟؟
إن غزة فلسطين طرحت على إسرائيل السؤال الأول، السؤال الوجودي، سؤال المصير، هل إسرائيل بعد أكثر من ست و ستين سنة على صناعتها بيد الغرب الإستعماري، هل هي برسم البقاء أم برسم الفناء؟؟؟ هل هي تستحق أن تعيش في هذه المنطقة؟؟؟ هل هي مؤهلة حقاً لأن تستمر كدولة، أم أنها ترتد في غمضة عين لتعود مجرد عصابة أقذر الأشرار؟؟؟
هل إسرائيل هي حقاً ما تدعيه، دولة ديمقراطية، دولة قوانين و تعايش و قبول أم أنها هي نفسها صانعة أول مذبحة في دير ياسين، إسرائيل الأرجون و إتسل و ليحيى و الهاجاناة، و عملاء الوكالة اليهودية الذين عبدو آلهة أعدائهم، و تحالفوا مع الجستابو النازي لتدبير مذابح لليهود في ألمانيا لكي يرحلوا قسراً إلى فلسطين، و تعاونوا مع رجال المخابرات البريطانية ليرتبوا المذابح لليهود في مصر و العراق و اليمن ليدفعوهم قسراً إلى الرحيل إلى فلسطين، ليؤلفوا منهم، و من المجلوبين من قبائل الفلاشا، و من المهاجرين من الروس، شعباً و دولة لا تعبد إلا آلهة العدوان و الخرافة و الأسطورة البائدة؟؟؟
هذا هو سؤال غزة،
إنه السؤال الأول،
و كانت إسرائيل تتوهم أنها ابتعدت عن هذا السؤال كثيراً، و لكنها حين نظرت خلفها اكتشفت أنها لم تبتعد كثيراً، و أن السؤال يلاحقها، إنه سؤال وجودي، إنه سؤال المصير، و رغم جدران السلاح بكل أنواع السلاح، و جدران الملاجئ، كل أنواع الملاجئ، و جدران الدعم الأميركي و الغربي عموماً، كل أنواع الدعم الذي ليس له حدود، فإن إسرائيل يلاحقها كابوسها الغزاوي الفلسطيني، كابوس على هيئة سؤال، ماذا لو أن \"جينات\" غزة انتقلت إلى المنطقة، إلى العرب لكي يصبحوا عرباً فعليين و ليس من العرب البائدة، و إلى المسلمين لكي يكونوا مسلمين حقاً و ليسوا مجرد أمة افتراضية!!! ماذا لو أن \"جينات\" غزة انتشرت في الأرض، و توسعت في المدى، و تحققت في قرارات و ممارسات و تراكمات في الميدان؟؟؟
ياله من سؤال مدوي، سؤال مروع، سؤال يهد أركان الصهاينة الظالمين!!!
الموت في غزة كبير، يعربد في الطرقات، يحول البيوت إلى ركام، و الأجساد إلى أشلاء، و يحول التراب إلى غبار مسموم، و يحول الماء المالح إلى عطش، و أماكن الإيواء بما فيها تلك التي يرتفع فوقها عنوان الأمم المتحدة إلى مقابر جماعية!!! و لكن غزة فلسطين تواصل طرح الأسئلة، و من خلال هذه الأسئلة ينفضح هذا الجنون الإسرائيلي، رائحة الدم في غزة تهيج شهوة الذئاب من الإسرائيليين، و رائحة الدم في غزة تفضح هذا النفاق الدولي الذي وصل إلى حد العار و الفاجعة!!!
يا غزة،
يا قلب فلسطين، و أنساب فلسطين العريقة، و إرداة فلسطين القوية، ها أنت تبعثين الحياة القوية في أحدى عشر مليون فلسطيني في القدس و عموم الضفة و الجليل و المثلث و النقب و المدن المختلطة و في كل شتات فلسطيني قريب أو بعيد.
يا غزة،
ها أنت تطرحين خبرتك المذهلة، بالقيامة من الموت، بالانفجار من الحصار، بالقدرة على الاشتباك لحظة بلحظة راهن فيها الأعداء أن الأرض العربية من حولك موات، و المدى الإسلامي من حولك غياب، و أن الضمير العالمي مهال عليه تراب أكثر ألف مرة من حطام بيوتك، و لكنك تنهضين و تشتبكين، و تزرعين الموت في مفاصل العدو الإسرائيلي المحتل لأنه يخاف أن يتحقق احتمال الواحد في المليون، أن تنتشر جيناتك في الأمة من حولك، و حينئذ ستغيرين وجه الأرض، و حينئذ سيعبد الله حقنا، و حينئذ سيلطم هؤلاء الإسرائيليين وجوههم لأنهم لم يكونوا صادقين في وعودهم و عهودهم و مفاوضاتهم، بل كانوا عبيد الأوهام، عبيداً لنموذج النازية التي يبكون منها في الليل حين تداهمهم الكوابيس لكنهم في الصباح يتحولون إلى عاشقين للنازية فيطبقون نموذجها الوحشي ضد لحم أطفالنا.
ثم إنك يا غزة لا تعرفين الإنكسار، فاستمري في طرح الأسئلة، و استمري في ملاحقة القتلة، اقتليهم بكل سلاح ممكن، اقتليهم حتى بأشلاء الشهداء، و اجعلي من دموع الأمهات الصارخات الثكالى ناراً تحرقهم، ولعنة الله عليهم إلى يوم الدين.