لقد بدأت إسرائيل كعادتها تستبق فشل المفاوضات الجارية والتي من المقرر أن تنتهى بعد ثلاثة أشهر بالتأكيد علي أن الفلسطينيين هم من قد أفشلوا هذه المفاوضات برفضهم الإعتراف بيهودية إسرائيل، وهذا يوضح لنا منذ البداية أن إسرائيل عندما طالبت الفلسطينيين بهذا الإعتراف فهى تعرف مقدما أنهم سيرفضون ، ولكنها هى في حاجة في هذه المرحلة التي قد تتعرض فيها ولأول مرة لعزلة دولية ، إلى هذه لا ، حتى تقول إن من يقول لا للمفاوضات هم الفلسطينيون. وهذا ما أكدت عليه تسيبى ليفنى بقولها أن الفلسطينيين سيدفعون ثمنا عاليا لرفضهم الإعتراف بيهودية إسرائيل.وأى خيارات إسرائيلية يمكن التنبؤ بها تنطلق من دراسة واقع البيئة السياسية الإسرائيلية على مستوى الحكومة ، وعلى مستوى المجتمع نفسه. ومن واقع هذه القراءة إسرائيل أمام هذه الإحتمالات: الإحتمال الأول إحتمال التسوية السياسة ، وبإفتراض ذهاب إسرائيل لتوقيع إطار إتفاق والإتفاق علي وضع الدولة الفلسطينية بحل أمنى متوازن في منطقة الغور ، فالإحتمال الأكبر هو إنسحاب حزب البيت اليهودى بزعامة بينيت نفتالى ، وحزب يبيتنا بزعامة ليبرمان ، وهو ما يعنى تعرض الإئتلاف الحكومة للإنهيار ، ولكن يمكن التغلب على هذا الإنسحاب والحيلولة دون حجب الثقة عن الحكومة بدخول حزب العمل، وتوفير الأحزاب اليسارية مظلة آمنه للحكومة . لكن المشكلة ألأكبر التي تواجه نتانياهو هو الإنشقاقات والإنقسامات داخل حزب الليكود، مما قد يفقد رئاسة الحزب والحكم ، وهنا الخسارة مضاعفة على شخص نتانياهو ، وكما هو معلوم البعد الشخصى يلعب دورا كبيرا في تحديد موقفه ، والقرارات التي يمكن إن يتخذها ، وهذا ما يفسر لنا التصريحات والشروط المتشددة التي يفرضها على الجانب الفلسطينى ، بعدم إخلاء اى مستوطنة ، وبالإصرار على إعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، وببقاء القدس واللاجئيين خارج دائرة المفاوضات .وفى الوقت ذاته إحتمال عدم التسوية قد حزب ليبيد هناك كستقبل وحزب ليفنى من الإنسحاب من الإئتلاف الحكومى ، وهم ما يعنى تاكيد إحتمال الإنتخابات المبكرة . والذى يرجح الإحتمال الثانى هو تنامى دور الإتجاهات اليمينية ، ودور المستوطنيين كقوة سياسية باتت تحسم أى إنتخابات قادمة . وتراجع دور القوى اليسارية . ويبقى المحدد الرئيس هنا إن نتانياهو وكل رؤساء الأحزاب والقوى السياسية في إسرائيل تبقى عينهم علي الإنتخابات أكثر من أى تسوية سياسية تسمح بالتراجع عن هذه المحرمات الإسرائيلية . وماذا تعنى هذه الإحتمالات؟ هذه التوقعات والتطورات تعنى إن الخروج من المأزق التفاوضى لإسرائيل يكون بالذهاب للإنتخابات المبكرة ، والدخول في المناكفات والمتاهات السياسية الإسرائيلية ، وبداية مرحلة جديدة من الإبتزاز السياسى بين الأحزاب والقوى الإسرئيلية في التاكيد علي موقفها من اى تسوية تفاوضية . وبالتالى تتوه وتغرق التسوية السياسية في الصراع الإنتخابى ، وهذا احد أهم الخيارات والإحتمالات التي تؤكدها خبرة السنوات السابقة من المفاوضات ، كلما وجدت نفسها في مأزق تفاوضى تذهب للإنتخابات المبكرة ، ومما قد يدعم هذا الإحتمال وتفاديا للضغط ألأمريكى إقتراب إنتخابات الرئاسة ألأمريكية ، والتي تفقد فيها أى إدارة أمريكية قدرتها على ممارسة أى ضغط على إسرائيل. والمخرج الثانى لإسرائيل الذهاب لخيار قلب الأوراق كلها مستغلة حالة الضعف الفلسطينى ، والتحولات العربية التي أبعدت أى خيار عسكرى مع إسرائيل، لإنشغال الدول العربية وخصوصا مصر بمرحلة مواجهة موجة الإرهاب والعنف والتحديات التي تتعرض لها . ولحالة السورية الممزقة ، هذه التحولات قد تدفع إسرائيل للبحث في الخيارات ألأمنية والعسكرية وبالتحديد إتجاه غزة وإحتمالات التصعيد المتزايدة التي قد تقود لحرب أخيرة على غزة ، وبإعادة النظر في سياساتها ألأمنية إزاء سوريا ، وزيادة موجة العنف. هذه الإحتمالات تزيد من عدم الذهاب لتسوية ، لكن يبقى إحتمال لا يمكن تجاهله أن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تدرك إن هذه المرحلة هى المرحلة التي يمكن التخلص فيها من القضية الفلسطينية ، وفرض تسوية سياسية أقرب إلى التصورات الإسرائيلية ، مستفيدة من حالة الضعف العربى والفلسطينى ، والإنشغال الدولى بملفات أخرى تفوق في أهميتها ألأن الملف الفلسطينى ،هذا الإحتمال قد تبود نتائجه في الشهور الثلاث الأخرى المتبقية من المفاوضات ، وهو إحتمال ليس مستبعدا ، ولا بد من اخذه في الإعتبار. ويبقى أن إسرائيل تتعامل مع المفاوضات وكأنها غير موجودة ، من خلال الإستمرار في سياسات الإستيطان ، وطرح مزيد من العطاءات الإستيطانية ، والإستمرار في سياسات التهويد وإخراج القضايا الأخرى من اى مفاوضات ، لكن كل هذا لن يزيل القلق لدى إسرائيل من البعد السكانى الفلسطينى في داخلها وتواصله مع بقية الشعب الفلسطينى في الضفة وغزة ، وهو ما قد يهدد هويتها اليهودية ، هذا المحدد قد يقف وراء اى إحتمال لتسوية تفاوضية قد تكشف عنها الشهور الثلاث القادمة .
دكتور ناجى صادق شراب