حين يصر بنيامين نتنياهو على طرح فكرة يهودية الدولة كأساس لاستمرار المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وعدم توقفها , ثم يأتي كيري وزير خارجية الولايات المتحدة ليؤكد على هذه الفكرة كمنطلق للمفاوضات ويطرحها بنفسه على الرئيس عباس , متجاهلا أو غير مدرك لأبعاد الفكرة وتداعياتها – أشك – أو منحازاً تماما للجانب الإسرائيلي – أجزم بذلك – فالحالة هنا ببساطة هي خلق وضع تفاوضي معقد وطريق نحو الحل مفروش تماما بالألغام . يبقى أن هذا ما يطرحه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل أو قل الحكومة الإسرائيلية اليمينية غير الراغبة في السلام .
إذاً علينا أن نتساءل بقوة : ما هو الموقف الفلسطيني المعلن من هذه الحالة ؟ وهل يكفي الرفض أو التهديد بإيقاف المفاوضات ؟ تاركين فرضية أن يؤدي ذلك الى حالة من الإحتقان و الضبابية التي ستقود – على الأرجح – الى العنف والمواجهة مع الاحتلال قابلة للحدوث.
المفاوضات طريق إختارته القيادة الفلسطينية وارتأت أنه جاء كحصاد لسنوات طويلة من المقاومة و النضال و التضحيات المريرة , ووقف الشعب الفلسطيني خلفها داعما و مستعداً دائما لكل النتائج , شعب مارس الصمود والمقاومة وأصر على البقاء وفشلت عشرات السنين من الألم والتشريد و محاولات القتل البطيء في إنهائه أو إنهاء حلمه , ودفع ضريبة البقاء و الصمود دما وشهداء , ولكنه آمن أيضا بالسلام الذى رأى أنه يحقق الحد الأدنى من أحلامه بالحرية والعدل والوطن , وأن الحوار قد يكون أفضل كثيرا من لغة القوة والعنف وخاصة إذا عانى طرفا الصراع من ويلاتٍ استمرت عشرات السنين من تداعيات العنف و مضاعفاته .
في المفاوضات لا يكفي أن ترفض ما يطرحه الآخر , بل الأجدر بك أن تطرح ما تراه مقابلا لطرح الآخر بعد أن تكون قد درست واستوعبت جيدا كل ما يتعلق به.
مهم أن ندرك أن طرح يهودية الدولة في مفاوضات اليوم ليس من قبيل إعلاء سقف المطالب اليهودية الذي يعني أن التنازل ممكن إذا كان هناك تنازل مقابل و هام من قبل المفاوض الفلسطيني و ينتهي الأمر , بل هو مطلب إستراتيجي , فقط تأخر طرحه بهذا الإصرار , وبالتالي لا بد من الوقوف ضده بحزم و حسم وقوة , مع خلق تكتل واسع مضاد للحلم الصهيوني بيهودية الدولة.
يهودية الدولة واحدة من ركائز الفكر الصهيوني الذي تبلور في بازل1897 و لكن ظلت قضية يهودية الدولة و قضية الحدود قضيتين خلافيتين صهيونيا وداخل الأحزاب الإسرائيلية , أي أن يهودية الدولة قضية خلافية غير متفق عليها داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه و حتى داخل تجمعات يهود العالم , وهذا مهم.
هذا القضية المعضلة طرحها الليكود داخل الكنيست عام 2003 وتم التصويت عليها بالايجاب , ثم طرحت في أنابوليس 2007 و رفضت , وطرحها أولمرت 2007كمدخل للمفاوضات و رفضت أيضا. ثم يأتي نتنياهو ليطرح الفكرة ذاتها في 2013 . نتنياهو وكل العالم من حوله يعرف أن إسرائيل منذ نشأتها بلا دستور , لأن الدستور يعني ببساطه احتواءه على تعريف لحدود الدولة و هويتها و على نتنياهو أن يجيب على تساؤلين هامّين :ما هي حدود الدولة التي يطالب بالاعتراف بيهوديتها ؟ ثم من هو اليهودي الذي سيقطن هذه الدولة؟
لو كان يريد دولة تشمل كل فلسطين ( الدولة التوراتية الموعودة ) فهذا يعيد الصراع الى نقطة الصفر ليصبح أيضا صراعا أيديولوجيا بين اليهود و المسلمين , مع الأخذ في الاعتبار أنّه لا توجد دولة في هذا العالم ترتبط هويتها الوطنية بالعقيدة الدينية ( الفاتيكان هو كيان ديني روحاني لكاثوليك العالم ولا يمثلهم سياسيا أو كدولة) وأن اليهودية التي يطرحها الاسرائيليون ستكون مبرراً للحركات الإسلامية والدينية الأخرى , وبالذات المتشددة منها, للسعي الى بناء دول و نظم حكم إسلامية أو مسيحية وغيرها , وهذا ما يرفضه عالم اليوم الذي يسعى الى بناء نظم وتكتلات إقتصادية وينادي بانفتاح وحقوق و حرّيات أبعد ما تكون عن الايديولوجيات الدينية . عالم اليوم وفي مقدمته أوروبا دفع ثمنا باهظا من دم أبنائه وارواحهم على امتداد عشرات السنين من الحروب و الثورات للتحول من دول دينية كهنوتية إستبدادية الى دول علمانية ديموقراطية ولم ينس بعد العصور الوسطى التي عاشت خلالها أوروبا تحت نير الاستبداد الكهنوتي و الحكم الثيوقراطي قبل أن تصل الى عصر العقل و الحكمة والعلم مع بداية القرن السابع عشر . هذا العالم سيرفض بالتأكيد أي فكرة ممكن أن تؤدي الى الارتداد الى عصور قاتمة بغيضة ولّت دون رجعة.
أمّا لو أراد نتنياهو الدولة اليهودية على حدود 1967 مع الدولة الفلسطينية فعليه إذاً الاعتراف بعروبة فلسطين التي سكنها اليهود بضع سنين لم يتركوا فيها أي أثر أو دلائل على أنهم سادوا بعضا من مناطقها , ويعترف أنها ستضم دولتين واحدة لليهود وأخرى عربية فلسطينية علمانية ديموقراطية لها الحق أيضا في السيادة على أرضها و سمائها ومياهها و لها حق حفظ أمنها و الدفاع عن سيادتها بجيشها وشعبها مثل سائر الدول. وعلى إسرائيل أن تكف عن التشدّق بالديموقراطية لأنها تعني علمانية الدولة و تقبل أن توصف بالعنصرية الأثنية و ما يترتب على ذلك مستقبلا.
ونعود لنتساءل : لماذا يطرح نتنياهو فكرة يهودية الدولة اليوم ؟ و لماذا يطرحها على الفلسطينيين ؟
للإجابة على الشقّ الأول من السؤال , نقول أن الفكرة هي كما أسلفنا أحد الأهداف الاستراتيجية الصهيونية التي تأتي في المرتبة الثالثة بعد هدفين إستراتيجيين تمّ تحقيقهما ; الأول هو احتلال فلسطين وإقامة دولة إسرائيل , والثاني اعتراف العالم و العرب بحق اسرائيل في الوجود . إذاً هي الهدف الاستراتيجي الثالث الذي سيعقبه هدف استراتيجي رابع هو نقاء الدولة اليهودية الذي يكرس نيّة طرد كل من هو غير يهودي من أرض الدولة اليهودية , وينفى تماما إمكانية تحقيق حق العودة الى فلسطين التي احتلت عام 1948.
ذلك هو الاحتمال الأول للإجابة , أما الاحتمال الثاني فهو وضع العراقيل أمام عملية السلام و المفاوضات و إقامة الدولة الفلسطينية وهذا أيضا وارد في عقلية حكومة يمينية عنصرية متطرفة لا تؤمن بالسلام وتؤمن و تسعى لتحقيق حلم الدولة التوراتية.
ويأتي الاحتمال الثالث و هو إمكانية أن يحدث - في حالة الاعتراف بالدولة اليهودية - تقدم دراماتيكي في عملية جذب يهود العالم الى الدولة اليهودية في ظل تقلص شديد في الهجرة الى اسرائيل التي لم تعد عوامل الجذب اليها قائمة : وضع أمني غير مستقر , وضع اقتصادي غير مشجع في ظل اقتصاد العولمة و الانفتاح , شرق أوسط يموج بالاضطراب , لا شيء يغري بالهجرة في وقت لا توجد عوامل طرد في الدول التي يقطنها يهود العالم مع تزايد ذوبان اليهود في مجتمعاتهم وأيضا تزايد التزاوج بين اليهود وغير اليهود التي ارتفعت الى نسبة بلغت 75% بين يهود أمريكا , و بلغة الأرقام أيضا فإن دولة اسرائيل يعيش فيها 40% من يهود العالم وهي نفس النسبة التي يمثلها يهود أمريكا.
ويأتي الاحتمال الرابع و الذي نراه هاما جدا و يجيب أيضا على الشقّ الثاني من السؤال :لماذا يطرحه على الفلسطينيين؟
إن دولة اسرائيل لم تقم إلا بعد أن نالت إعترافا دوليا من الجمعية العامة للأمم المتحدة – قرار 273 لعام 1949- والدولة المعترف بها حسب ميثاق الامم المتحدة ( بند من ميثاق مونتيفيديو 1933 سجل في عصبة الامم ضمن سلسلة المعاهدات الدولية النافذة ) هي منطقة محددة ( الحدود) , مجموعة من السكان, حكومة , قدرة على إدارة العلاقات الداخلية والخارجية . ذلك هو تعريف الدول حسب ميثاق الامم المتحدة ولا يدخل ضمن بنوده ديانة الدولة أو أيديولوجيتها , وعليه لو تقدم نتنياهو للأمم المتحدة بطلب الإعتراف بيهودية الدولة فلن يستجيب له أحد . أما لو اعترف الفلسطينيون – أصحاب الأرض و الحق التاريخي- بيهودية الدولة فالتداعيات المستقبلية مختلفة و سيحسب ذلك بالتأكيد إختراقا تاريخيا في صالح نتنياهو.
بعد هزيمة حزيران 1967 وفي اكتوبر من نفس العام بدأ فكر جديد يتبلور عربيا حول قضية فلسطين حين اقترح الراحل الكبير احمد بهاء الدين في مقال له بمجلة المصور تسمية دولة تضم قطاع غزة مع الضفة الغربية لنهر الاردن و الضفة الشرقية باسم فلسطين , و رغم أن الزمن و الظروف والاعتبارات التاريخية لم تكن لصالح الفكرة شبه المستحيلة , إلى أن بهاء – الذي كان يعي ذلك- لم يكن يهدف إلا الى إعادة اسم فلسطين الى الوجود بعد عشرين عاما من الضياع و الرفض العربي اللفظي لوجود كيان دخيل بديل لفلسطين , و منظمة تحرير بلا أرض تنطلق منها و نضال فلسطيني يدار من القاهرة وبيروت .و في أكتوبر أيضا عام 1968 أعلن صلاح خلف أبو إياد في مؤتمر صحفي أن الهدف الاستراتيجي للثورة الفلسطينية هو دعم انشاء دولة فلسطينية ديمقراطية على امتداد فلسطين التاريخية, يعيش فيها العرب واليهود في وفاق دون أي تمييز عنصري . ثم طرح نبيل شعث في يناير 1979 في مؤتمر نصرة الشعوب العربية بالقاهرة الذي شارك فيه ممثلا عن حركة فتح فكرة الدولة الديمقراطية اللا طائفية التي يتعايش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم: مسلمون ومسيحيون ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي. وتبنت الجبهة الديمواقراطية - حين انطلقت في فبراير1969 بقيادة نايف حواتمة - هدفا مرحليا لانتزاع حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف ( كان هدف الكفاح الفلسطيني المسلح هو تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر الى البحر ) .
كان ذلك بعد عشرين عاما من النكبة , عاش خلالها الشعب الفلسطيني في الشتات وعاش لاجئوه على معونات وكالة الغوث , ولكنه كان قد حقق تغييرا تاريخيا بانطلاقة الثورة الفلسطينية وبتكريس م ت ف ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني . واليوم بعد عشرين عاما من العيش على معونات الدول المانحة و بعد أن حقق الشعب الفلسطيني تغييرا تاريخياً آخر بوجود قيادته وجزء كبير من شعبه فوق جزءٍ من أرضه التاريخية و إنشاء كيان وطني يحمل اسم فلسطين اعترفت به الجمعية العامة كدولة و عضو مراقب ( المراقبة لا تمس كيان الدولة و قيمتها فالصين بقيت عضوا مراقبا لإثنين وعشرين عاما وسويسرا حتى 2002 وكوريا حتى 1991) , و بعد نجاحات كبيرة في العلاقات الدولية و تفهم العالم للمشكلة الفلسطينية و اهمية الحل العادل لهذه القضية في احلال السلام في ربوع المنطقة والعالم, نطرح تساؤل ملح : كيف نواجه الصلف والتعنت الإسرائيلي و طرحه التفجيري ؟ هل نحن بحاجة الى فكر جديد نواجه به كل ذلك ؟
نحن نؤمن بالسلام الذي اخترناه بقناعة خيارا استراتيجيا , وما نطلبه اليوم مقابل هذا السلام جزء لا يتجاوز 22 % من ارض فلسطين التاريخية و اعترفنا بحق اسرائيل في الوجود على 78 % من أرض فلسطين , اعترفنا بدولة اسرائيل العضو في الامم المتحدة التي قُبلت عضويتها حسب ميثاق الامم المتحدة دون تحديد لايديولوجية .
نتنياهو حين يضع الاعتراف بالدولة اليهودية شرطا لاستمرار المفاوضات قد يدفع المفاوض الفلسطيني الى تحديد أهداف نهائية كبرى و القفز على كل ما هو قائم :
مثل طرح إقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية العلمانية على كل فلسطين , طرح الدولة الواحدة ثنائية القومية , رفع سقف المطالب الفلسطينية في المفاوضات و المطالبة بالدولة العربية الفلسطينية التي أقرها قرار التقسيم 194 و الذي اعترفت الامم المتحدة باسرائيل استنادا له حيث ورد في قرار الاعتراف باسرائيل أنه بناء على توصية مجلس الامن على ضوء قراري 181 و 194 مما يلزم اسرايل بتنفيذهما .
وإلى طرح الكثير من التساؤلات أيضاً :
هل المطلوب البحث عن أفكار جديدة مبتكرة تواجه الظروف الراهنة ؟
هل المطلوب أن نفتح قنوات عديدة للحوار مع أطراف اسرائيلية لا توافق على ما يريده نتنياهو و حكومته ؟
هل المطلوب العمل على خلق تكتل عربي ودولي للضغط على الراعي الرسمي لعملية السلام والمنحاز تماما للطرف الاسرائيلي و لمواجهة تعنت حكومة اسرائيل ؟
هل المطلوب أن نعود للحديث عن حل السلطة و الخيار العسكري أو المقاومة المسلحة ؟
الطريق ما زال طويلا وقائمة ما هو مطلوب قد تطول أيضاً .
تساؤلات كثيرة يمكن أن تثار , وأمور كثيرة يمكن أن تحدث , والسيناريو الوحيد المتوقع أن لا سيناريو, فقد ولى زمن التنبؤات وما شاهده العالم في السنوات القليلة الماضية وخاصة في منطقة الشرق الاوسط خير دليل , لقد تعاظم دور الشعوب وصار هو المحرّك و من يضع السيناريوهات .
الوقوف والاصطفاف خلف القيادة الفلسطينية الشرعية أولويّةٌ بلا منازع , توحيد الصفوف و تجميع الطاقات داعم رئيسي عظيم للقيادة والمفاوض الفلسطيني , الدعم العربي بكافة أشكاله ضامن كبير للصمود و مواجهة غطرسة القوة والعنصرية الاسرائيلية والتحيّز الغربي , والتمسك بالحلم والإرادة هو لبّ القوة و صانع التاريخ .
وأخيرا نقول لنتنياهو الذي تحدث امس امام مؤتمر اللوبي المؤيد لاسرائيل ايباك في واشنطن : اعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشريف, بدون تأخير و بدون أعذار ، لقد حان الوقت لذلك , وقل لحكومتك العنصرية أن تتخلّى عن أوهام سحق الشعب الفلسطيني وابتلاع كل الارض الفلسطينية، هذه هي الحقيقة التي يجب ان تعيها إذا كنت مستعدا لانهاء الصراع , وكما زعمت أمام ايباك إن كنت مستعدا للتوصل إلى سلام تاريخي مع الفلسطينيين ينهي الصراع وسفك الدماء، ويكون جيدا للفلسطينيين كما لإسرائيل.