تاريخ النشر: 2020-06-11 | 16:29
تاريخ النشر: 2020-06-11 | 16:29
يبدو أن هناك بوادر أزمة سياسية حادة تتشكل في الوقت الراهن بين الجارتين الكوريتين، بعدما أعلنت بيونج يانج نيتها قطع كل قنوات الاتصال السياسي والعسكري مع سيئول وهدّدت باتخاذ إجراءات أخرى "مؤلمة"، في إشارة إلى إلغاء عشرات المشاريع الاقتصادية بين البلدين، وخصوصاً في منطقة كايسونج الصناعية، وذلك على خلفية اتهامات للجنوب بتوجيه منشورات إلى الشمال تقدر بنحو 500 ألف منشور تتضمن انتقادات حادة للنظام الشيوعي، وتندد بانتهاكات زعيم كوريا الشمالية لحقوق الإنسان وتدين سياسته النووية.
والواقع، أن الكوريتين لا تزالان عمليا في حالة حرب رغم انتهاء الحرب الكورية التي استمرت ثلاث سنوات من عام 1950 حتى عام 1953 وانتهت بهدنة بدلا من معاهدة سلام، وفي الآونة الأخيرة عمدت كوريا الشمالية إلى توجيه استفزازات ممنهجة لجارتها الجنوبية، وعلى ما يبدو فإن الهدف النهائي يتضمن توسيع دائرة النهج المتشدد ليشمل الولايات المتحدة، ورغم أنه لسنوات طويلة لم يكن بالإمكان تصوّر أي مظهر من مظاهر التقارب بين الكوريتين، أي عندما كانت التصريحات الرسمية في البلدين وفي الولايات المتحدة تصدر على وقع إطلاق الصواريخ البالستية والتفجيرات النووية لبيونج يانج، إلا أن شهر أبريل من عام 2018 شهد تقارباً سرعان ما تحول إلى عداء في يونيو 2020.
نعتقد أن هناك ثلاثة عوامل أساسية تفسر سر التحول الراهن في موقف كوريا الشمالية، أولها اشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ظل العقوبات الأممية والأمريكية الصارمة سواء من حيث تصدير البترول أو توريد بعض المواد، إذ لا يمكن للشعب الكوري الشمالي أن يتحمل هذا الوضع المعيشي المأساوي بسبب حالة الانغلاق عن العالم، وبالتالي يحاول الزعيم الكوري الشمالي الهروب للأمام عبر اصطناع عداء مع سيئول لإلهاء شعبه عن أزماته الداخلية، ثانيها أن التهديدات الأمريكية ربما تكون قد أخذت محمل الجد خاصة وقد صدرت عن رئيس أمريكي غالباً ما تأتي ردة فعله مفاجئة، وهنا تريد بيونج يانج إرسال رسالة ردع إلى أمريكا عبر التصعيد مع جارتها الجنوبية الحليفة الموثوقة لواشنطن ربما تحسن من شروط إنجاز صفقة مستقبلية، ثالثها إظهار الدولة الشمالية في صورة المدافع عن الإرث الشيوعي والماركسي الأمر الذي يستفز وينشط الحليف الصيني الذي يعد الداعم الرئيسي لبيونج يانج في مواجهتها العدائية المستمرة مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة.
لكن، السؤال المنطقي هنا يدور حول حظوظ استعادة الهدوء وإحداث سلام دائم بين الجارتين الكوريتين؟، والحقيقة أن هناك أزمة ثقة فظيعة بين البلدين لم تمحوها العقود الماضية، فالقمّة التي عقدت في أبريل 2018 انتهت بإعلان نوايا على إنهاء الحرب رسميا ونزع الأسلحة النووية نهائيا، وحينها تحمست كوريا الشمالية لهذه النتائج، عكس الرأي العام الكوري الجنوبي الذي بقي متشككا في صدق نوايا الزعيم الكوري الشمالي، ففي عام 2005 انتهت قمة تاريخية مماثلة بتوقيع اتفاق يسمح حتى لمراقبين أجانب بزيارة كوريا الشمالية، غير أن ذلك لم يمنع عودة شبح الحرب، وبالتالي فإن أزمة الثقة تعد عائقاً كبيراً لاستعادة الهدوء في الوقت الراهن، خاصة وأن بيونج يانج تصور الأمر على أنه استهداف أيدولوجي مما يستنهض المواجهة الباردة بين الحلفاء، كل في معسكره واصطفافاته سواء مع الصين أو الولايات المتحدة، وربما يمر نزع فتيل الأزمة عبر قيام كوريا الجنوبية بمنع المنشقين الشماليين من إرسال المنشورات العدائية بشكل قانوني من خلال تجريم هذه الأنشطة باعتبارها تشكل خطراً على البيئة وتعرض الممتلكات الخاصة والسلام الاجتماعي للخطر.
مع ذلك، تبقى حظوظ تحقيق سلام دائم بين البلدين محدودة بالنظر خاصة إلى أهداف الصين المتحكم الحقيقي في الملف الكوري، فبقدر انزعاجها من تهديدات كوريا الشمالية النووية، إلا أنها تخشى أي تغيير سياسي قد يؤدي إلى حرب تدفع نحوها بملايين النازحين، كما تخشى أي توحيد لكوريا يقرّبها من الولايات المتحدة ويخرجها من دائرة نفوذها.