تواجه الديمقراطية في دول العالم قاطبة من إشكاليات متنوعة وعديدة إرتباطا بخصائص وثقافة كل بلد. حتى في دول الغرب الرأسمالي تعاني الديمقراطية من مثالب ونواقص، لان انظمة الحكم الرأسمالية تتبنى وتدعم الديمقراطية بمقدار ما تخدم اهدافها، ولكن في حال تعارضت الديمقراطية مع مصالح رأس المال، يتم تجاوز مبادئها ونواظمها. مع الديمقراطية البرجوازية موضوعيا تعتبر ارقى اشكال الديمقراطية، وليس كما أكد الماركسيون وخاصة لينين فيما سبق، بان الديمقراطية الاشتراكية، هي "الارقى" و"الاغنى" و"الاكثر تعبيرا" عن مصالح الجماهير. وحدث ولا حرج عن اشكال الديمقراطية في دول العالم الثالث المستقلة، فهي تعاني من البتر والاجحاف، لانه لا وجود لها إلآ بالاسم.
فما بال المرء، وهو يتحدث عن الديمقراطية الفلسطينية الوليدة، والمعمول بها تحت الاحتلال الاسرائيلي.التي تواجه تحديات عديدة، رغم انها حققت نقاطا لصالحها في مسارها المتواضع. لكن الامانة الموضوعية تحتم تسليط الضوء على ابرز ما تعانيه من إشكاليات، منها: اولا وجود الاحتلال الاسرائيلي بحد ذاته، وتقسيم اراضي دولة فلسطين المحتلة إلى (AوBوC) وعدم سيطرة السلطة الفلسطينية على كامل مواطنيها. وحاجتها الضرورية في كل عملية ديمقراطية، لإخذ موافقة دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية.
هذا العامل لعب ويلعب دورا اساسيا في تعطيل تطبيق الديمقراطية بحرية كاملة، ووفق المعايير العالمية. ويختزلها في جوانب شكلية ومؤقتة، حتى العملية الانتخابية التشريعية، التي حدثت في عامي 1996 و2006 للمجلس التشريعي، على اهميتها، شابتها نواقص وثغرات كبيرة؛ أضف إلى ان انتخابات النقابات والاتحادات الشعبية لم تكن خالية من الشوائب والنواقص والفساد متعدد الاوجه.
ثانيا الانقسام الداخلي، والانقلاب الحمساوي، شكل ضربة قاسمة للديمقراطية الحديثة، وأعاد عقارب الزمن للوراء كثيرا، حيث عطل الانقلاب الاسود اواسط العام 2007 كل مظاهر الديمقراطية، وكرس خيار الاستبداد، وغيب حرية الرأي والرأي الآخر، وحال دون تطبيق اي مظهر من مظاهر الديمقراطية، فلم تعد حرية التعبير مكفولة، ولا حرية التظاهر او الاعتصام او الاجتماع او الانتخاب. كما غيب دور المؤسسة التشريعية كليا، وحال دون ممارسة دورها بالحد الادنى. اضف إلى انه الغى دور القضاء المستقل. باتت جميع مظاهر الديمقراطية في خبر كان. ومازالت العملية الديمقراطية في محافظات غزة غائبة كليا عن حياة المواطنين، وتم استبدالها بتكميم الافواه، وفرض المنطق والصوت الواحد، ورفض الشراكة، وتعميم ثقافة الظلام والاستبداد والقهر الجمعي والفردي والاعتقال والملاحقة من قبل ميليشيات حماس والجماعات التكفيرية، التي انتجتها قيادة الانقلاب.
ثالثا العادات والتقاليد البالية، وتأثير المنطق القبلي والعشائري وتسييد الثقافة الفردية. جميعها عوامل أعاقت تطور التجربة الديمقراطية الفلسطينية. ومازالت بصماتها قوية على مظاهر الديمقراطية في المجتمع. بطبيعة الحال، تختلف هذه العوامل من مدينة لاخرى إرتباطا بمدى تطور الوعي المجتمعي، الناجم عن جملة اسباب سياسية واقتصادية وتربوية / ثقافية. لكن السمة العامة واحدة، لان التمايز نسبي في اوساط الشعب العربي.
رابعا الاشكاليات الناتجة عن قلة الخبرة، وصغر التجربة، التي مازالت تضلل التجربة الديمقراطية الفلسطينية. حيث تعاني الديمقراطية من نكسات هنا وهناك بسبب السياسات الخاطئة، والانشداد للاعتبارات الشخصية والحزبية او الامنية. التي جميعها تعطل تكريس الديمقراطية، وتشدها للخلف، وتشيع معايير بعيدة عنها، وتحجب الابعاد الايجابية فيها. وتثقل كاهلها، وتهدد تجذرها في الواقع الفلسطيني.
رغم كل العوامل السابقة، فإن الديمقراطية الفلسطينية الوليدة، التي تفوقت على مثيلاتها في الدول المستقلة بشهادة العالم لها، تحتاج إلى تكريس، وتعميم ثقافتها ومعاييرها كاساس ناظم للعلاقات بين مكونات المجتمع الفلسطيني السياسية والاقتصادية والتربوية الثقافية والامنية والقانونية. والعمل على تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات بالقدر الممكن والمتاح، والعمل على تعزيز اي مظهر من مظاهر الديمقراطية مهما كان صغيرا، والاستناد للقانون والدستور (النظام الاساسي) للتأصيل لها في الواقع الوطني. لان الديمقراطية تعتبر عاملا اساسيا من تطور اي مجتمع. والعكس صحيح.