كم هو مطلوب أن تتسابق دول العالم، لا سيما الغربية منها، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فهو حق وليس منّة، ولكن ربما فقد جدواه لأنه جاء في ظرف يتعرض فيه مشروع الدولة الفلسطينية إلى تهديد غير مسبوق، وتشهد القدس حملة تهويد وتشويه ممنهجة، تستهدف المسجد الأقصى المبارك وأغلب الرموز الإسلامية والمسيحية التي تشكل مجتمعة هوية دولة فلسطين المنتظرة .
كثيرون يتساءلون عن جدوى الاعترافات غير الملزمة من البرلمانات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، إذا كان الكيان "الإسرائيلي" ليس في وارد الاعتراف بذلك، مثلما يسحق الحقوق التاريخية للفلسطينيين، وأظهرت الأيام الماضية أنه يقابل كل اعتراف جديد بجرعة عالية من الاعتداءات والاستيطان، ولم يتورع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن تحذير فرنسا من ارتكاب "خطأ فادح"، ممهدا لمواقف أكثر تشنجا وعدوانية إذا أصبحت تلك الاعترافات حجة قانونية بأيدي القوى المدنية المدافعة عن مصير الشعب الفلسطيني، رغم أن ذلك لن يثير إلا معارك قانونية وإعلامية، بينما على الأرض تبقى سياسة أمر الواقع الصهيونية سارية من دون أي رادع فعلي .
في الأشهر الماضية عرفت العلاقة بين "إسرائيل" والعواصم الغربية . وبينها واشنطن ولندن وباريس توترا ظاهرا بسبب تجاوزات عدة ارتكبتها حكومة نتنياهو . وفي أكثر من مناسبة صدرت مواقف أمريكية وأوروبية انتقدت بشدة عجرفة قادة الكيان وعدم إنصاتهم لأصوات الحلفاء . وكان واضحاً أن تلك العجرفة وضعت الحكومات الغربية في حرج أمام شعوبها أو بعض منظماتها . ومن هنا قد يكون جاء الضوء الأخضر للفعاليات البرلمانية بأن تتحرك باتجاه الاعتراف الرمزي بدولة فلسطين . وبحسب هذا التصور فإن هذه الاعترافات ترمي لضرب ثلاثة أهداف على الأقل، فهي ترفع أولاً بعض العتب لدى أوساط في الرأي العام الغربي على عجز حكوماته، وثانياً توجه ضغطاً ناعماً على الكيان لضبط النفس قليلاً، وثالثاً وأخيراً لإيهام الشعب الفلسطيني بأن قضيته تحقق مكاسب سياسية، وبالتالي عليه التمسك بالمساعي السياسية وألا يتجاوزها إلى خيارات أخرى .
من المؤكد أن الكيان الصهيوني لن يرتدع ولن يوقف مشاريعه الاستيطانية، ولن يلجم عدوان متطرفيه على الرموز الفلسطينية في القدس المحتلة والضفة الغربية، ولن يفك الحصار المشدد على غزة، ولن يوقف الاغتيالات المفاجئة لبعض النشطاء . ولا يبدو أن هذا الحجم من التصفية ستوقف المواقف الغربية الشكلية، ولو كان هذا الغرب جاداً فعلاً في الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وحريصاً على أمن الشرق الأوسط واستقراره، لاتخذ إجراءات عملية لكف الأذى الصهيوني، ولكنه لن يفعل، وعوض أن يعاقب الجلاد يقسو على الضحية، واعتراف برلمانات السويد وبريطانيا وإسبانيا وغيرها بالدولة الفلسطينية يحمل قسوة على الفلسطينيين أكثر من كونه ضغطاً على "إسرائيل"، لأنه اعتراف غير مفيد طالما أن الدولة الفلسطينية يجري تذويبها والحفر تحت أسسها تمهيداً لهدها مرة واحدة .
هناك هاجس جدي من أن تخفي هذه "الإيجابية" الغربية مؤامرة جديدة على الشعب الفلسطيني، وهذا الهاجس لا يأتي من فراغ، فها هي حكومة الكيان تصادق على قانون للفصل العنصري يرسخ التهويد ويصادر حق العودة، استكمالاً لمسار صهيوني طويل لطمس الوجود الفلسطيني في تحد علني لمجتمع دولي لم يتقن مع الفلسطينيين غير اتخاذ المواقف الرمزية
عن الخليج الاماراتية