لا شك أننا نرحب بإنهاء حالة الانقسام التي سادت وطننا الغالي ، وعربشت على ارواحنا ، وسيطرت على أحوالنا ، ففككت أواصل القربة ، وفسخت الانساب ، وروت بمائها الملوث تربة ارحامنا ، فأصبح الأخ عدواً لأخيه ، والأب غاضباً على ابنه ، والخال متنكراً لأبن أخته ، والجار لعان على جاره ، وحتى النساء انشغلن في طبخ البغض ، على موائد المجتمع بدلاً من "المفتول" في افراح ابناء الشعب الواحد .
تلك المرحلة ليست فلسطينية ولا بأي شكل من الأشكال ، والجميع عاشها مضطراً ومغصوباً عليها ، وسعى الكل الى الخروج من حالة الغصب هذه ، وما أصعب أن تعيش غصباً ومغصوباً ومغتصباً يا أيها الفلسطيني ، يطوقك الاحتلال بكل شراسة بحصاره وعدوانه ، لتصير غيرك في كل شيء ، إلا بانتمائك لدينك ولوطنك بمستطاع قدره الله لك.
واليوم الذي فرحنا به وعلى أي حال وشكل ، وصورة ، ومشهد ، بالخروج من حالة الغصب على العيش في الانقسام ، نسمع من رئيس الوزراء الموكل اليه أن يكون الراعي الكبير ، لطريق الخلاص من الألام الفرقة والتفرقة والانقسام والتفسخ ، يحضرنا بأول خروج له ، ليطلق مصطلحاً ، عاش سنوات فينا ، وردده أخوة لنا على منابر وفي خطابات ، وخطب ، وبيانات وأخبار ، وكان له وقعه السييء الممجوج بالظلم وانعدام العدالة ، وهو مصطلح " المستنكفين" ، ولأنه مصطلح مصدره كتاب الله العلي العظيم ، وله دلالة قرأنية مبنية على علم الله العميق بمن يستحقونه ، وهم عنده سبحانه مذمومين ، كان لابد أن يجرح ، ويحمّل الموظفين وزراً لم يرتبكوا فيه جرماً ، بل وجدوا أنفسهم يعيشونه ويحملونه غصباً ككل المرحلة البغيضة التي عاشها شعبنا ، فكيف يا دولة الرئيس تطلق هذا المصطلح المذموم على من جرت عليه مقادير الانقسام ، وتحمل اثاره بكل تشبث وصمود بحكومتك أنت في وارد التنازع على "الشرعيات"؟
ولأن الموظفين التزموا بقرارات حكومتهم أنذاك وبمراسيم رئاسية صدرت ومحفوظة بالذاكرة والارشيف ، يمكنهم اليوم أن يذكّروا دولة الرئيس بأن هذا الالتزام لا يكون جزاءه غير المكافأة والشكر والتقدير لمن تحمل اعباء مرحلة قاسية عاشها شعبنا بكل صنوفه وفئاته .
سامح الله من أخرج من المعاجم مصطلح "مستنكف" ليطلقه على فئة من ابناء شعبه ، واستخدمه في غير محله ، في فترة ادمت الجميع ، وعلقت أرواحنا على أعواد البغض والكراهية .
سامح الله دولة رئيس الوزراء ، الذي "ذل"لسانه ودفع بقبضته التي كانت من الواجب أن تكون رحيمة بالجميع، الى خواصر الموظفين ، ودمغهم بما لا يحبون ، ولا يستحقون ، فالاستنكاف استكبار وامتناع عن العمل ، وموظفو قطاع غزة لم يستكبروا ولم يمتنعوا عن أعمالهم ، بل التزموا بقرارات قيادتهم .
يقول الله تعالى :" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا".
ومعاذ الله أن يكون موظفي قطاع غزة من الذين التزموا بقرارات قيادتهم أن يكونوا من المستكبرين والذين يستحقون العذاب الأليم يا دولة الرئيس .
هؤلاء اليوم يحتاجون اعتذاراً منك ، لتصويب مسارٍ، القلق يلفه بأن لا يسير على سكته الصحيحة في إخراج شعبنا من مرحلة الانقسام البغيض بكل ما احتوت وحوت ، والكبار دوماً اذا ما اصابوا صبروا على المدح والثناء ، واذا ما اخطأوا اعتذروا ، وهذا ما فعله السيد اسماعيل هنية ، بخطبة الوداع الأخيرة وكل الشعب الفلسطيني فاضت عيناه وهو يستمع له معتذراً عن أي أذى أصاب أي مواطن في فترة حكمه لقطاع غزة ، موقف شجاع ومروءة تستحق الثناء والقبول .
افعلها يا سيادة دولة رئيس الوزراء ، ولا توغل الصدور عليك ، وأنت رجل مشهود له بالخيرية والاحترام ، في أوساط من عرفوك وتعرفوا عليك و شهدوا بأنك رجل وقاف عند الحق ، وشجاعتك صلبة لتجعلك تراجع نفسك عند الخطأ..
هنيئاً لشعبنا العظيم وحدته ووحدة حكومته الى أن نوفي العهد ونحمي المصير، أمانة نسلمها لمن بعدنا .