حظيت الكلمة التي ألقاها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بارتياح كبير لدى غالبية دول العالم التي كانت تتطلع لمعرفة طبيعة تفكير ورؤية رئيس مصر الجديد وقد كانت الكلمة متقنة والرسالة واضحة.
ومع القبول العام للخطاب إلا أن ثمة رئيس جمهورية واحدة امتلك من الجرأة غير المحسوبة أن يقف على منبر الأمم المتحدة ويتهجم على دولة مصر العربية بلا أي مسوغ سياسي أو مصلحة اقتصادية ويعرّض بالشرعية السياسية لرئيسها ويتدخل بشكل سافر في شؤونها الداخلية.
هذا الرئيس هو رجب طيّب أردوغان رئيس الجمهورية التركية، وقد كان مفهوماً أن يخاف ويخاف معه إسلاميو تركيا من نجاح الجيش المصري في إسقاط جماعة «الإخوان المسلمين» من السلطة في 30 يونيو من العام الماضي لأن لهم تاريخاً طويلاً من الصراع مع الجيش التركي، ولكن هذه المخاوف تبددت في الوقت الحاضر والجيش التركي بعيدٌ عن السياسة ولا يتدخل فيها منذ أمدٍ، فما الذي دفع أردوغان لذلك الموقف الغريب؟
الجواب الأقرب يكمن في الأيديولوجيا، أي أيديولوجيا الإسلام السياسي التي تمثلها جماعة «الإخوان المسلمين»، وأحلام تلك الأيديولوجيا وأوهامها التي ما فتئت تملأ خيالات أردوغان ورغبته الملحة في استعادة الخلافة العثمانية، وهو حلمٌ يتشاركه مع جماعة «الإخوان المسلمين» وتنظيم «داعش».
كان طبيعياً أن ترد الخارجية المصرية على تلك التصريحات باستنكارٍ شديدٍ ورفضٍ لما جاء فيها وإلغاء للقاء كان مجدولاً مع الجانب التركي، وأصدرت بياناً يقول: «إن ما تضمنته الكلمة من أكاذيب وافتراءات أقل ما توصف بأنها تمثل استخفافاً وانقضاضاً على إرادة الشعب المصري كما تجسدت في ثورة 30 يونيو، وذلك من خلال ترويجه لرؤية أيديولوجية وشخصية ضيقة تجافي الواقع».
غير أن الجديد والمهم هو موقف دولة الإمارات العربية المتحدة الذي جاء قوياً وصارماً في بيان وزارة الخارجية الذي جاء فيه: «وإذ تستنكر وزارة الخارجية هذا الخطاب غير المسؤول، وتعتبره تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لجمهورية مصر العربية، واستفزازاً للمشاعر العربية، فإنها تدعو الرئيس التركي للتوقف عن الإساءة إلى الحكومة المصرية والشعب المصري».
هذا البيان كما يعلم المراقبون هو استمرار وتأكيد على الرؤية الاستراتيجية للمحور العربي الذي يقود العالم العربي اليوم وهو محور المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية، وهو محورٌ نجح في إنقاذ مصر من مخالب جماعة «الإخوان المسلمين» وعارض القوى الكبرى في العالم وأثبت نجاح رؤيته وصواب قراراته، ولا أدل على هذا من تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما في لقائه من الرئيس المصري في نيويورك التي أكد فيها «أن مصر تشكل حجر الزاوية بالنسبة لأمن واستقرار المنطقة».
عبرت دولة الإمارات طويلاً عن رؤية ثاقبة ورائدة تجاه حركات العنف الديني وحركات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وفروعها في العالم، وهي أوضحت تلك الرؤية في العديد من المواقف السياسية خارجياً وواجهتها بخططٍ علميةٍ ومنهجيةٍ داخلياً، وهي شهدت نجاح تلك الرؤية وانتشارها في العالم.
لقد جرّمت الدول الثلاث السعودية والإمارات ومصر جماعة «الإخوان المسلمين» تشريعياً وأكدت وصفها بالإرهاب وهو توجهٌ بدأت تدرسه بعض الدول الغربية وبدأت في تغيير مواقفها ومراجعة سياساتها تجاه الجماعة ومن أهم تلك الدول بريطانيا، التي كانت تربطها علاقات وثيقة بالجماعة منذ إنشائها ولم يتبق للجماعة من الحلفاء الداعمين لها بعد افتضاحها إلا ما سماه كاتب هذه السطور سابقاً بمركز الثقل «الإخواني» الجديد الذي تشكله تركيا.
تركيا لم تزل تتخذ سياساتٍ علنيةٍ مؤيدةٍ للجماعة الإرهابية، وتتخذ موقفاً عدائياً صارخاً ضد الدولة المصرية العضو الكبير في التحالف العربي الثلاثي المذكور أعلاه.
لقد آن الأوان كي تعرف تركيا الأردوغانية أن لسياساتها تلك ثمناً يجب أن تدفعه، وأن الصبر والحلم لهما حد يقفان عنده، وهي رسالة يجب أن تعيها الحكومة التركية الجديدة إن كانت حريصةً على العلاقات التاريخية والمصالح الاقتصادية مع دول الخليج.
ظلّ إسلاميو تركيا يسعون جهدهم للانضمام للاتحاد الأوروبي وعندما منيت مساعيهم بالفشل اتجهوا للعالم العربي وسعوا وعلى رأسهم السيد أردوغان لاستعادة أمجاد الخلافة العثمانية البائدة، وأصبح أردوغان يقدّم نفسه كخليفةٍ جديدٍ للأتراك وللعرب، وقد وجد له أتباعاً كثيراً من رموز الإسلام السياسي في الخليج الذي يقدمونه كمخلصٍ للعرب وللمسلمين.
مشكلة أنصار أردوغان في دول الخليج العربي هي أنهم يريدون تقديمه لأتباعهم على أنه المثال والنموذج الذي يجب احتذاؤه، وهم يجهلون أو بالأحرى يتجاهلون أنه يحكم بلاده بدستورٍ علمانيٍ صارمٍ وتنطبق عليه كل تنظيراتهم عن الحاكمية والجاهلية والتكفير بدءاً من حسن البنا وسيد قطب وصولاً إلى البغدادي وتنظيم «داعش».
كما أن أنصار أردوغان يهاجمون مصر لعلاقاتها بإسرائيل ويغضون الطرف عن أن أردوغان لا يحتفظ بعلاقاتٍ مع إسرائيل فحسب، بل هو وحزبه يرتبطون بتحالفٍ عسكريٍ واقتصاديٍ مع إسرائيل، ولكنها عين الأيديولوجيا تلك التي جعلت بعضهم يسعى لإيجاد مخارج شرعيةٍ جديدةٍ ومتناقضةٍ ليقول إن تركيا تمثل الإسلام الصحيح والبلدان الخليجية التي يعيشون فيها ليست كذلك.
بمواقفهم التاريخية الرافضة لكل تحالفٍ دوليٍ يخدم دول الخليج هاجم «إخوان الخليج» التحالف الدولي ضد الإرهاب في العراق وسوريا، والذي تشارك فيه السعودية والإمارات بفعالية وسيتضح في الأيام المقبلة موقفهم من تركيا التي ستضم إليه قريباً.
تميّز إخوان الخليج و«الإخوان المسلمون» عموماً من الغيظ حين علموا أنّ فتاةً إماراتيةً بطلةً هي الرائد طيار مقاتل مريم المنصوري تقصف بطائرات الإف ستة عشر عثانين أتباعهم الإرهابيين المتوحشين في العراق والشام، وهي نموذجٌ عربيٌ فريدٌ لشجاعة المرأة ووطنيتها.
أخيراً، وفي الوقت الذي عقدت تركيا اتفاقاً يلفه الغموض مع تنظيم «داعش» وسهلت دخول المقاتلين إلى صفوفه وصفوف «جبهة النصرة» كان الشيخ عبدالله بن زايد يقول: «أرفض رفضاً قاطعاً تسمية كيان داعش الإرهابي "بالدولة الإسلامية".
عن الاتحادالاماراتية