تاريخ النشر: 2016-08-26 | 14:36
تاريخ النشر: 2016-08-26 | 14:36
كان يمكن لعملية المطاردة الساخنة التي نفذتها مجموعة من الكتيبة 101 التابعة للقوة الخاصة في الأمن الفلسطيني لمطلوبين اثنين على خلفية أحداث نابلس، والتي تدحرجت من قرى ضواحي القدس، قرية "عناتا" الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية التي التجأ اليها المطلوبان، كما يحدث عادة مع معظم المطلوبين الجنائيين غالباً، ولكن المجموعة المطاردة لاحقتهم في البلدة، ثم تبعتهم الى القدس الشرقية ثم إلى حي "راس شحادة" و "راس خميس" في المدينة القديمة المحتلة حيث اعتقلتهم وعادت بهم الى رام الله، حسب مراسل التلفزيون الاسرائيلي "أوهاد بن حمو".
كان يمكن لهذه العملية وهي "سابقة" لم تحدث منذ عشرين سنة، حسب مصدر إسرائيلي، أن تتحول إلى إنجاز يحمل بعداً وطنياً يضاف إلى التعاطف الذي أحاط بضباط وأفراد الأمن الفلسطيني بعد مقتل ضابطين في عمليات ملاحقة ل "خارجين عن القانون " في مدينة نابلس الأسبوع الماضي، وكان سيمنح هذه الأجهزة حضوراً شعبياً، هي في أمس الحاجة إليه، لو استحضرنا الدور الملتبس والمعقد، فعلاً، الذي تتحرك في سياقه.
نحن نتحدث عن قوات أمن "وطنية " عليها أن تتحرك وتنجز مهماتها، بما فيها ملاحقة السلاح، غير القانوني، تحت الاحتلال وضمن سيطرته وفي مناطق يتحرك فيها مستوطنون مسلحون وقتلة وفي خارطة بالغة التعقيد والتداخل، سواء على مستوى التقسيم المناطقي ألف وباء وجيم، وصلاحيات كل منطقة، أو على صعيد مصادرة "السلاح السائب"، الظاهرة الأكثر خطورة التي يواجهها المجتمع الفلسطيني والتي تفاقمت في السنة الأخيرة وتسببت بمواجهات عائلية مسلحة ذهب ضحيتها أكثر من خمسة أشخاص.
مصادرة السلاح في فلسطين يبدو أمراً شائكاً ومحمولاً على المخاطر والشبهات، خاصة عندما يصطدم ب "مهمات المقاومة" ويتغطى بشعاراتها وخلاياها وهي غالباً "سرية " وغير مرخصة بالطبع.
ورغم ذلك فقد كانت المطالبات الشعبية واضحة في ضرورة وضع حد لظاهرة السلاح "غير المنضبط" في الضفة الغربية، والذي يظهر بقوة وكثافة في المناسبات العائلية والاجتماعية ويتحول إلى وسيلة تصفية حسابات شخصية وعشائرية في الغالب.
هذه المطالبات التي شملت معظم مناطق الضفة وتركزت في مدن مثل طولكرم وجنين ويعبد ونابلس، هي التي منحت الشرعية لحملة واسعة نظمتها قوى الأمن لاستعادة السيطرة و"القانون" في مدن الشمال، مدينة نابلس، على وجه التحديد.
كان يمكن لكل هذا أن يكون رافعة لتقديم أجهزة الأمن الفلسطينية شعبياً، لولا سيطرة فلسفة "العشيرة " على عقليات بعض القائمين على هذه الأجهزة، العقلية التي تفصل القوى الأمنية عن شرائح مجتمعها وتحولها إلى طائفة أخرى في مواجهة بقية الطوائف، وعشيرة خاصة في مواجهة بقية العشائر.
وهي الفلسفة التي أدت إلى عملية قتل بشعة لأحد المطلوبين في أحد معسكرات الأمن في نابلس، بحيث تم ضرب المطلوب من قبل أفراد الأمن المتواجدين في الموقع حتى الموت.
كان ذلك التصرف الأهوج كافياً لقلب الأمور رأساً على عقب، وحسب تعبير أحد مسؤولي الأمن: "لقد خسرنا مرتين"، اليوم هو اليوم الثالث للإضراب التجاري في مدينة نابلس احتجاجاً على ما آلت اليه الحملة الأمنية، وثمة حملة شعبية متواصلة وواسعة تطالب بمحاكمة الضباط والأفراد المسؤولين عن تلك الجريمة، حملة تطالب بإقالة قائد الأمن ومحاسبة كل من شارك أو له علاقة بعملية القتل.
لم تنجح محاولة تشكيل لجنة تحقيق داخلية، هذا شأن الأجهزة، أما في الشأن العام فإن المطلوب هو "المحاسبة" وفي سياق القانون.
ذهبت هباء العملية الشجاعة والعنيدة لأفراد الكتيبة 101 الذين اقتحموا "العاصمة" المحتلة بسلاحهم وزيهم ونفذوا مهمتهم كاملة.
ذهبت هباء تضحيات رجال الشرطة وإنجازهم في الحملة الأمنية في نابلس.
والآن سيكون أمام قوى الأمن الفلسطينية عمل كثير لاستعادة ثقة الناس بعقيدتها وثقافتها ودورها.
اقتبس هنا لاستكمال الفكرة من تعليق للروائي الفلسطيني أكرم مسلم على موقعه:
"لايجوز أن تعتبر الأجهزة الأمنية أو الشرطية نفسها طرفاً في صراع، إنما ممثلة القانون على الارض، هذا يحميها ويحمي القانون ويحمي المجتمع الذي منحها في معظمه حق احتكار استخدام القوة في إطار القانون. تخسر الأجهزة الأمنية عندما تتنازل عن كونها ضمانة وتنجر لتكون طرفاً في صراع وتحت أي ظرف باستثناء حالة الدفاع عن النفس. ستصبح المعادلة الآن: قتلنا منكم وقتلتم منّا، ويجري "التفاوض" على فض الاشتباك! السلطة لا تفاوض على معنى وجودها ومبرره، ألا وهو تمثيل القانون، وارتكاب حماقات سيضعها في محل التفاوض بغرض التهدئة، وهذا أخطر من استشهاد شرطي في مهمة. هناك خيط رفيع يفصل بين الحسم وبين الانتقام. هيبة السلطة تسترد بالإصرار على فرض القانون واجتثاث الفلتان ضمن رؤية متكاملة وليس ضمن هبة متسرعة، المطلوب خطة مبادرة بحاضنة اجتماعية وليس مجرد ردات فعل موضعية".