تاريخ النشر: 2020-04-18 | 08:55
تاريخ النشر: 2020-04-18 | 08:55
ترافق مع انتشار جائحة فيروس كوفيد19 عددا من الظواهر، كان أبرزها: التناقض بين العلم ونظرية المؤامرة٠
تعتقد هذه النظرية أن هذا الفيروس قد صُنع أو هُرب من أحد مختبرات الفيروسات، وصولا إلى الادعاء انه تم تصنيعه في هذه المختبرات، كأحد أشكال الحرب البيولوجية أو الاقتصادية، خاصة بين أمريكيا والصين. خفت صوت هذه النظرية قليلا نتيجة لتصريحات منظمة الصحة العالمية وكثير من العلماء والدراسات العالمية حول طبيعة هذه الفيروس ونشأته وتطوره في الحيوان وانتقاله إلى الإنسان، ومن ثم اكتساب خاصية عدوى البشر والانتقال فيما بينهم.
ظهر شكل آخر من هذه المؤامرة، خاصة بعد أن قام عدد من المتظاهرين في بريطانيا بتكسير اعمدة شبكات 5G، بالادعاء أن هذه الشبكات هي سبب هذه الجائحة، أو بالحد الأدنى هي المسؤولة عن التأثير واضعاف جهاز المناعة عند الإنسان.
الآن تتجه هذه النظرية نحو اتهام الشركات التي تصنع اللقحات، خاصة اللقاح ضد فيروس كورونا الجديد، بأنها تفعل ذلك ضمن إطار خطة محكمة للسيطرة على البشرية والتحكم بالإنسان ضمن برنامج ال1% من هؤلاء الذين يسيطرون على مقدرات العالم، لتحويل الإنسان إلى ربوت رقمي يمكن من خلال غرس الشرائح الإلكترونية الدقيقة في جسمه، وإيصالها له من خلال هذه اللقاحات، التي تساهم شركات الهايتك ووادي سيلكون، خاصة بل غيت وشركائه، في تمويل هذه الشركات لإنتاج هذا اللقاح.
ان فكرة حوسبة الحياة وتحويل الإنسان من خلال غرس هذه الشرائح الدقيقة في جسده الى رقم أو روبوت، تستطيع الحكومات أو الشركات فوق الحكومية من خلالها تحريكه والتحكم في كل معاملاته، المالية والصحية والحكومية، خاصة بعد إلغاء النقد، وصولا إلى ما أسماه الكاتب الروسي فالنتين كاتاسونوف "بالاعتقال الالكتروني".
أن هذه الفكرة سابقة عل هذا الوباء ولا علاقة لها بهذه اللقاحات كما يدعي البعض، وهذه خطوات قد تكون هامة على طريق الحكومة الإلكترونية، وخطوة لمصلحة البشر لا لمصلحة أعداء البشر.
باختصار، من الخطأ التعامل مع هذه القضية وفقا لنظرية المؤامرة، ومن الخطأ أيضا عدم الحذر والمراقبة، علينا أن نثق في العلم وفي قدرة الإنسان على منع والتصدي لكل محاولات استخدامه ضد مصالح الإنسان.
ان اخطر ما في هذا الطرح هو اتهام ووضع التطعيمات واللقاحات في خانة الشك وتشويه دورها التاريخي والمستقبلي في حماية صحة الامهات والاطفال والمجتمع.
انه من الهام التصدي لهذه الاصوات التي تريد أن تشوه اللقاحات والتطعيمات، لان هذا سيكون له تاثير مدمر على خط الدفاع الأول الذي يحمي الأطفال والأمهات من الأمراض المعدية في كل العالم، خاصة في العالم الثالث.
في الحقيقة، ان المرحعية الموضوعية التي تصدر عنها نظرية المؤامرة ترجع في الأساس الى خوف هؤلاء من ممارسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة إدارة دونالد ترامب، التي يسيطر عليها اليمين الديني المسيحي الأنجليكي المتطرف، والذي يسعى إلى هيمنة الولايات المتحدة المطلقة على العالم، ولا يمانع من استخدام كل الوسائل والتهديدات في سبيل هذا الهدف غير الإنساني.
ان انسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات الدولية، والتي لن يكون اخرها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية ووقف تمويلها ب 400 مليون دولار سنويا، اضافة الى اتهامها بالعداء لامربكيا والانحياز إلى الرؤية الصينية بخصوص جائحة كورونا، هي واحدة من الذرائع التي يستخدمها اصحاب نظرية المؤامرة، وتعطيهم المبرر والدافعية وشيء من المصداقية لنشر هذه النظرية بين الأفراد وبين شعوب العالم الثالث، التي كانت دوما ضحية لسياسيات اليمين الأمريكي.
هذا هو الواقع الذي يدفع الكثيرين إلى تبني أو تصديق نظرية المؤامرة، رغم تناقضها الصارخ مع العلم، ومع طبيعة وتاريخ انتشار جوائح الأمراض المعدية.
ان المتابع لجائحة كورونا ومقارنة وضع العالم واستعداده ومقدرته في السيطرة على هذه الجائحة، مع هذه الإمكانيات عندما انتشرت جائحة الانفلونزا الاسبانية في عشرينيات ق20 وجائحة الطاعون في نهاية خمسينيات ق20، حيث انتشرت الجثث في الشوارع وبقيت في البيوت ايام عديدة، لا يستطيع أن يقترب منها الناس، إضافة الى ضعف الامكانيات الصحية والاقتصادية والفقر والجوع، الذي اكل الفقراء وكثير من الأغنياء. ان مقارنة كل هذا وغيره مع وضع العالم أثناء جائحة كورونا، رغم اللحظات الصعبة التي مرت فيها بعض الدول والمدن مثل ايطاليا وإسبانيا ونيويورك، وسرعة العالم في اعادة ترتيب إجراءاته في زمن قياسي، وتمكنه من السيطرة والحد من انتشار الفيروس في كثير من هذه الدول، والعمل الحثيث على تصنيع مليارات الكمامات الطبية التي تحتاجها البشرية كإجراء وقائي، وكذلك مقدرة الشركات غير المتخصصة في صناعة اجهزة التنفس الصناعي من إنتاج الآلاف منها في فترة قياسية، كل هذا يدل على أهمية العلم ومدى التطور الذي بلغه، كما يدل على ذلك أيضا عمل آلاف العلماء وعشرات الشركات على إنتاج الأدوية واللقاحات اللازمة لعلاج ووقاية البشر من هذه الجائحة.
كل هذه المؤشرات تؤكد على اهمية تطور العلم، وأن هذا التطور العلمي لايمكن الا ان يكون في مصلحة البشرية، رغم محاولات حرفه التي يقوم وقد ينجح فيها البعض ولكن بالتأكيد، سيكون هذا النجاح مؤقتا، سرعان ما يعود إلى طريق الصواب تحت تأثير وعي وتكاتف القوى الخيرة في كل المجتمعات وتصديها لكل المحاولات الشريرة.
من الواضح أن العالم قد فهم جيدا والى حد كبير آليات عمل هذا الفيروس، لذلك قرر أن يواصل معركته الطويلة في ماراثون مقاومة هذا الوباء وفق خطين استراتيجين متلازمين:
1. إعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية تدريجيا الى سابق عهدها
2. مواصلة إجراءات التباعد الاجتماعي والنظافة العامة ولبس الكمامات الطبية انتظار إلى لحظة تصنيع اللقاح الذي يتأمل العالم ان يكون ذلك بعد أشهر قليلة.
أن تكاتف وتضامن العالم والشعوب والقوى الإنسانية هي الكفيلة لحماية الإنسانية من استخدام العلم ومنتجاته ضد البشرية، كما هي الكفيلة لمنع التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجائحة على الدول والشعوب الفقيرة.
المستقبل للعلم والحياة، ولا حياة أو مستقبل خارجهما.