تاريخ النشر: 2019-08-04 | 19:23
تاريخ النشر: 2019-08-04 | 19:23
لم تكن حركة فتح يوما مجرد حزبا او جماعة سياسية بالمعنى السياسي او الاجتماعي , بل كانت حركة جماهيرية نأت بنفسها عن اتباع ايديولوجية محددة , فقد كانت ولا زالت حركة فلسطينية جامعة لكل الايديولوجيات السياسية , ففيها العلماني والاسلامي واليساري والمستقل , وقد استطاعت الحركة عبر تاريخها ان تضبط ايقاع العمل السياسي الفلسطيني خدمة للقضية الوطنية ورسخت الهوية الفلسطينية في كافة المحافل الدولية , وللأمانة فلم تكن الاحزاب السياسية الاخرى الفاعلة على الساحة الفلسطينية سوى مكملا غذائيا للمشهد الفلسطيني , واثباتا لحالة التعددية السياسية والنضالية , لكنها بشكل او بأخر ارتبط وجودها ببقاء حركة فتح وقوتها ,
الامر – ودون مبالغة - لم يرتبط فقط بالأحزاب والجماعات السياسية الفلسطينية , بل ارتبط ايضا بالأنظمة العربية التي رهنت بقائها بالقضية الفلسطينية , واستمرت طيلة فترات طويلة من بقائها ترهن مواقفها بدعم القضية الفلسطينية ودعم السلطة ومحاربة الوجود الاسرائيلي ظاهريا مع الاحتفاظ بادني درجات العلاقات الدبلوماسية , وكثير من العلاقات التجارية والاقتصادية من تحت الطاولة , لكن ما تم ترسيخه في الوعي الجمعي العربي من قبل تلك الانظمة , هي دعمها للنضال الفلسطيني ولحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية , وان محاربة او معارضة تلك الانظمة من قبل أحزاب المعارضة في تلك البلدان هي خيانة وخدمة مجانية للعدو الاسرائيلي .
لذلك , ودون تعمق كثير في تفاصيل المشهد الفلسطيني فإن باكورة ما يسمى بالربيع العربي بدأ عمليا بالانقسام الفلسطيني وما أصاب القضية الفلسطينية بمقتل بعد احتدام الخلاف الفلسطيني ,ومعه بشكل او بآخر تعذر اسباب بقاء هذه الانظمة او الكثير منها بعد سقوط الشماعة التي كانوا يعلقون عليها اسباب بقائهم , وعمليا فان الانقسام كان قتلا للنضال الفلسطيني ولصورة الفلسطيني وللهوية الفلسطينية امام الوعي العربي والعالمي , تلك الصورة التي رسمتها حركة فتح للفلسطيني كمقاتل وثائر وفدائي ثم مقاتل سياسي ساعي لبناء هويته ودولته في وجه مشروع صهيوني بات واضحا انه يستهدف المنطقة العربية برمتها .
الاساس فيما اعترى المشهد الفلسطيني بداية ومن ثم العربي عموما , هو تلك الصورة التي رسمتها سياسة محمود عباس , والتي اظهرت الفلسطيني كمستسلم في وجه عدوه , وعنيف وهمجي وفاشل في ادارة شؤونه , فبات الانقسام والتنسيق الهزيل والتواطؤ والاصطفاف على طابور الدعم القطري والبصمة , بالاضافة للجوع والفقر والقهر والبطالة والهجرة وغيرها من الظواهر المقززة التي ظهرت على سطح المشهد الفلسطيني هي السمة الابرز لملامح الفلسطيني , والنتيجة ان الكل تجرأ علينا .
المشكلة بتفاصيلها بدأت بفتح , بضعفها , بوجود قيادة تعاملت مع القضية من جوانب سياسية وإدارية من منطق وظيفي بعيدا عن الجوهر والعمق الوطني للقضية , واستفرادا بهذا المنهج تم اقصاء وتهميش وازاحة كل من يعارض هذا النهج , ثم ترسيخا لهذا الواقع المقزز تم عقد المؤتمر السابع الاحتفالي وتبعه ولا زال يتبعه ما نلاحظه من اجراءات غير مفهومة من حل للتشريعي ولمجلس القضاء وترسيخ لسلطة الفرد الواحد , والاهم الترسيخ لمنطق جديد في الضفة الغربية ضد قطاع غزة بكل مكوناتها والشواهد كثيرة على ذلك .
التيار , ليس رد فعل على موقف السلطة وقيادة فتح الحالية , فوجود التيار كجماعة سياسية جديدة قد تضفي بعضا من الانقاذ للمشهد الفلسطيني , لكنها لن تحدث تغييرا جذريا على المفهوم الوطني , التيار الاصلاحي مهمته واحدة , وهي انقاذ حقيقي للوطنية والهوية والصورة والتاريخ والمستقبل والواقع الفلسطيني من خلال عصب القضية الفلسطينية , حركة فتح .
ان وجود فتح القوية والموحدة , هو فقط ما يمكن ان يجبر حماس على العودة لأحضان الشرعية الفلسطينية وانهاء الانقسام , لكن فتح الحالية الضعيفة من ناحية الانجازات والقدرة على الاقناع والالتفاف الشعبي ووضوح البرنامج , هي ما يجعل حركة حماس او غيرها تطمح فعلا الى ان تكون بديلا لفتح ولمنظمة التحرير , بينما العكس تماما , في حالة وجود فتح القوية والموحدة صاحبة القدرة على اعادة رسم المشهد في الشارع الفلسطيني وحتى الاقليمي , والتي قد تكون قادرة على بعثرة كل اوراق اللعبة السياسية في المنطقة برمتها , هو ما يجعل الانقسام قاب قوسين او ادنى من الانتهاء والاندثار .
قد يبدو كثيرا من هذا الكلام بعيدا عن الفهم والتصديق , لكنه على الاقل حالة يستشعرها الكثير من ابناء شعبنا , اشبه ما تكون بان الطفل لا يدرك تصرفات والده لكنه يشعر بالامان بوجوه وبسلوكه وتصرفاته , لهذا فان الكثيرين من ابناء شعبنا وابناء التيار يرفضون مجرد التلميح لكون التيار حزبا سياسيا او جماعة سياسية بعيدة عن فتح او خارج اطارها .
الكلام المساق في الاعلام , والذي يثار كل فترة بان ثمة احتمالات وتوجهات بان يذهب التيار باتجاه تشكيل حزبا سياسيا مستقلا او منشقا عن فتح , هو عمليا اتساقا واتفاقا مع ما تريده قطر ومحمود عباس وحماس وبعض المتفردين والمستحوذين حاليا على القرار الفتحاوي في الضفة المحتلة , بعد ان اختزلوا الوطن والتاريخ القادم ومستقبل قضيتنا في مصالحهم ورؤيتهم التي لم تتجاوز انوفهم .
فتح هي عمود خيمة الوطنية الفلسطينية , واذا ما ضعف ذلك العمود بفعل بعض ما اعتراها وتسلقها من سوس وعفن , فان قمة العفن ان ينساق البعض الى منطق رد الفعل , والاتجاه الى ذلك الطريق الذي رسمه لنا من اقصى قوة فتح عن فتح ليمهد الطريق لنفسه .
تيار فتحاوي اصلاحي وليس التيار الوطني , اختصارا وقولا واحدا للتاريخ ولأبناء فتح وكوادرها .