تاريخ النشر: 2016-10-20 | 09:51
تاريخ النشر: 2016-10-20 | 09:51
تعانى الثقافات العربية على تعددها وموحداتها المشتركة الفجوة بين الإنتاج الثقافى الرفيع - فى الإبداع المعرفى والفلسفى والموسيقى والتشكيلى ..
إلخ - وبين حركة الشارع فى المنطقة العربية، حيث لا تستهلك هذه الإبداعات إلا فى نطاقات محدودة وتضيق قاعدة مستهلكيها من السلع الثقافية، مع تعقد هذه الأشكال المعرفية والإبداعية على نحو أصبحت معه تعانى العزلة الشديدة، ومعها تظهر بعضُ مظاهر الاغتراب بين الثقافة العالمة وبعض مستهلكيها من المثقفين. من ناحية أخرى تظهر فجوات بين الثقافة الرفيعة والإبداع الشعبى الثقافى فى الموسيقى الفلكلورية والأغانى الحاملة لهموم ووجدان وقيم الجموع الشعبية العريضة، على نحو يؤدى إلى انفصال بين مستهلكى هذه الأنماط ومن ثم يؤثر ذلك على الوجدان العام والمخيلة الجماعية التى تنقسم وتتعدد بحسب نمطها الثقافى المسيطر. من ناحية أخرى ثمة تراجع نسبى ونكوصى لاهتمام الدولة والمؤسسات الثقافية الرسمية - كالثقافة الجماهيرية / هيئة قصور الثقافة فيما بعد - بالثقافة الشعبية عموماً سواء من خلال المسرح، أو الغناء، أو الحكي، أو الموسيقى، منذ عديد العقود وتحول مواقع الثقافة الجماهيرية إلى قصور مهجورة إلا قليلاً، وعدم الاهتمام بالتجارب الفنية التى تهدف إلى إيصال الثقافة إلى الجمهور فى أماكن إقامته، من مثيل تجربة مسرح الجرن الشهيرة والناجحة، والتى اعتمدت على نقل المسرح إلى القرى من خلال شكل بسيط وغير مكلف مادياً، وإشراك بعض الفلاحين والفلاحات فى الأعمال المسرحية لخلق مشاركة ثقافية وتفاعلية بين الجمهور المتلقى وبين العمل المسرحي، واكتشاف المواهب الكامنة لدى الجمهور العادي. هذه التجربة المهمة هى امتداد لاكتشافات زكريا الحجاوى للمواهب الغنائية وللفلكلور والفرق الموسيقية، وتشكيل فرق شعبية وتقديمها للجمهور فى العاصمة، وحواضر المدن فى المحافظات. هذه الاهتمامات كانت جزءاً من سياسة السلطة الثقافية الرسمية، إلا أنها تراجعت عبر عديد العقود عن القيام بها، وتحولت قصور الثقافة إلى مواقع خاوية من النشاط إلا قليلاً، والأخطر أنها تحولت إلى دار نشر كبيرة تنافس هيئة الكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة ... إلخ، حيث غام التمايز الوظيفى بين بعض هذه الهيئات وبعضها بعضاً، دون النهوض بالوظائف المنوطة بكل هيئة من الهيئات. من هنا تباعدت الثقافة العالمة، والشعبية عن القواعد الاجتماعية المستهدفة من العمل الثقافى والإبداعي، ومن ثم انتشرت ثقافة الخرافات، والتطير وقيم الجبر لا الاختيار والثقافة البطريركية والأبوية التى شكلت بيئة ملائمة لانتشار الأفكار المتطرفة، والتأويلات الدينية الوضعية المتزمتة والمتشددة، وحركت بعضا من العنف السلوكى الاجتماعى وأضفت عليه تبريرات دينية تأويلية، والأخطر تمدد ثقافة الكراهية ورفض الاختلاف، وعدم التعايش مع الآخر الدينى والمذهبى داخل ذات الدين إلا اضطراراً، أو عدم تفضيل التعامل اليومى معه فى أمور المعيشة ومتطلباتها.
كل ذلك يعود إلى انفصال الثقافة والسلع والمؤسسات الثقافية الرسمية، بل والطوعية فى القاهرة والإسكندرية، عن بقية المحافظات والأرياف والاستثناءات قليلة. كرس الفجوات بين الإنتاج الثقافى والجمهور، الانفصال فى السياسة التعليمية والمناهج المقررة على التلاميذ والتلميذات من رياض الأطفال إلى التعليم الثانوى والفنى والتجاري، وبين المكون الثقافى النقدى والجمالى والموسيقى والمسرحى والبصرى - الفنون التشكيلية والسينما- الذى يشكل الذائقات والحس الجمالى والنزعة النقدية فى مقاربة الأفكار والمشكلات والإشكاليات التى تطرح أمامهم فى المناهج، وفى الأسرة، والجيرة، والحياة العامة. من هنا يتعين إعادة النظر فى السياسة التعليمية والدمج بين الثقافة والتعليم والفكر النقدي، سواء فى التعليم العام المدني، أو الديني. من ناحية أخرى يتعين تبنى مفهوم الثقافة للشارع أى نزول الثقافة والسلع الثقافية من الأماكن المغلقة - المسارح، والأوبرا، وقاعات الفنون التشكيلية .. إلخ - إلى الجمهور حيث يوجد فى بعض الأسواق والقرى والمدارس، ومدن المحافظات، والجامعات والمعاهد، وتقديم الإنتاج الثقافى والإبداعى إلى الجمهور بما يتلاءم وحالته من مكان لآخر، واحتضان التجارب الفنية والإبداعية والجمالية الجديدة للشباب، وإتاحة الفرص لهم لعرضها فى الأطر والمواقع الرسمية التى يتعين عليها أن تنفتح على هذه التجارب وإعطاؤها استقلاليتها الكاملة مع التسامح مع هذه التجارب من منظور حرية التعبير والإبداع الفنى فى عالم انهارت فيه الرقابات بسبب الفضاءات الرقمية وحرياتها التى لا حدود لها.
نزول الثقافة والمثقفين والمبدعين من الموسيقيين والمغنيين والمغنيات والفنانين التشكيليين إلى الشارع، سوف يؤدى إلى إحداث تغييرات متسارعة فى الوجدان الجمعى والمنظومة القيمية، ويشكل أرضية للانفتاح الإنسانى والمشاعرى والعقلى على الاختلاف وثقافة الحوار والتعدد، ومن ثم مواجهة الأفكار المتطرفة أياً كانت مصادرها، لأن التطرف ليس مقصوراً على التأويلات والتفسيرات الدينية، وإنما يشمل القيم والأيديولوجيات والتحيزات المتشددة أياً كانت. الثقافة للشارع مفهوم واسع يشمل الشوارع الرقمية وفضاءاتها المتعددة لأن الثقافة الرقمية هى ثقافة المستقبل، بل وأصبحت راهنة وتتمدد ويتسع نطاقها ليشمل مليارات من مستهلكيها على المستوى الكوني، ويتزايد أعدادها بالملايين حيث نشط عام 2014 عدد 29.6 مليون مشترك على الإنترنت فى مصر وثمة 12.6 مليون منهم يستخدم شبكات التواصل الاجتماعى عبر الهاتف المحمول، وهى أعداد تتزايد، ويتعين دراسة توجهاتها واختياراتها وتقديم السلع الثقافية المختلفة على الواقع الافتراضي. إن وصول السلع الثقافية إلى قواعد استهلاكها الاجتماعي، فى الشارعين الفعلى والرقمى من الأهمية بمكان لتسريع التغير الاجتماعى والثقافى والسياسى فى مصر، وبناء قنوات للحوار بين الأجيال والمبدعين لاسيما الشباب، وهى الافتتاحية الرئيسة للهاث سريعاً وراء عالم تتغير ثقافاته، وتقنياته، ومعانيه وأفكاره على نحو غير مألوف. من ثم يبدو أننا بحاجة إلى صياغة سياسة ثقافية تستصحب معها الدور المتنامى للفواعل الثقافية الطوعية التى تبدع من الأفكار الجديدة وأشكال العمل الثقافى المبتكرة ما يجعلها تتجاوز الأجهزة البيروقراطية الرسمية بتمددها المفرط وثقل حركتها ونمطية تفكير بعضها، والعمل على التكامل بين أشكال الحركة والعمل الثقافى الرسمي، وبين الأشكال الطوعية الجديدة وكسر القيود والإعاقات التى تقف أمام المبادرات الثقافية الفردية والجماعية الطوعية، وذلك من خلال فتح المجال العام الفعلى وحرياته أمام الإبداع الثقافى وحريات التعبير والفعل والخيال والحركة الحرة فى عالم هادر بالحريات وأجيال شابة لا تأبه كثيراً بشيخوخة الخيال وجمود الأفكار وسطوة بيروقراطية يجافيها الزمن المتغير والمتحول.
عن الاهرام