تاريخ النشر: 2016-01-25 | 18:21
تاريخ النشر: 2016-01-25 | 18:21
لطالما حذر قادة اسرائيل العسكريين والسياسيين على مدى عقود مضت من ضعف الخاصرة الجغرافية لاسرائيل, فاسرائيل بعد الاعلان عن قيامها عام 1948م عانت من ضعف العمق الاستراتيجي لديها, وهو الخط الفاصل اللازم لحشد قوات الجيش ليناور فيه عسكرياً بعيدا عن المراكز الحيوية للدولة من مدن وبلدات سكنية وغيرها من المصالح الحيوية للدولة, حيث يبلغ عرض إسرائيل 65 كم من نهر الأردن الى البحر المتوسط, مما يعني عدم وجود عمق استراتيجي لإسرائيل فهي ذات خصر ضيق, وهو ما يعرضها لخطر البتر وشطرها لنصفين في حالة هجوم بري من الشرق, إضافة لاحتشاد حوالى 80 -90% من سكان إسرائيل في منطقة تمتد نحو 120 كم على طول الشاطئ بين حيفا وأسدود، وهذا يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لإسرائيل نتيجة العمق الاستراتيجي الضيق الذي يجتمع فيه غالبية السكان هناك، وما يشكله ذلك من خسائر بشرية فادحة عند تعرض إسرائيل لهجمات تطول تلك المنطقة, ولذلك لجأ القادة الصهاينة لابتكار مجموعة من المرتكزات الأمنية للتعامل مع الواقع القائم, أهمها نقل الحرب لأرض العدو, والضربة الوقائية والاستباقية, وجيش الاحتياط, والردع كسياسة منهجية لإبعاد الخصم عن المساس بالمراكز والمصالح الحيوية للدولة, وبذلك يكونوا قد حصنوا الجبهة الداخلية الاسرائيلية تماما من أية أعمال معادية وتغلبوا على ضعف الخاصرة الجغرافية لاسرائيل وضعف عمقها الاستراتيجي, وبعد احتلالها عام 1967م للأراضي العربية من كافة الجبهات وفرت اسرائيل عمق استراتيجي كافي لأمنها يغنيها عن الضربة الاستباقية وأصبحت خاصرتها الجغرافية وعمقها الاستراتيجي كاف لصد الخصم بدون اللجوء للحرب الوقائية الاستباقية, محافظين تماما على سلامة الجبهة الداخلية, ومع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م, تزعزعت الجبهة الداخلية الاسرائيلية ببعض العمليات الفدائية داخل أراضي 1948م, ولكنها حافظت على رونقها الشعبي المنتفض في وجه محتل غاصب, ورغم توقيع اتفاقية أوسلو للسلام بين الشعبين, استمرت اسرائيل بالتنكر لحق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال واقامة دولته المستقلة على أراضي عام 1967م, فكانت انتفاضة الأقصى بتاريخ 2000/9/28 والتي اتسمت بالعمليات الفدائية الفلسطينية داخل أراضي 1948م موقعة خسائر بشرية واقتصادية فادحة بالمحتل الاسرائيلي, واهتزت أركان الأمن الأسرائيلي الذي أصيب بالعجز وعدم قدرته على الحفاظ على سلامة الجبهة الداخلية, وانعدم الأمن الشخصي لأفراد المجتمع الاسرائيلي, وازدادت معدلات الهجرة العكسية من اسرائيل للخارج, وعادت اسرائيل لتعاني من جديد من ضعف خاصرتها الجغرافية وسهولة تسلل الفدائيين وتنفيذ عملياتهم بداخل اسرائيل, ولم تعود عليها بشئ ترسانتها العسكرية والتكنولوجية من طائرات ودبابات وجيش على أعلى مستوى من التأهيل والتدريب, الى أن قامت اسرائيل وسرعت بانجاز الجدار الفاصل على طول وعرض أراضي الضفة الغربية, اضافة للمبادرات السياسية المتلاحقة لكبح جماح الانتفاضة والمنتفضين, وبغض البصر عن ايجابيات وسلبيات تلك الحقبة, يمكن القول أن الانتفاضة الثانية ضيقت الخاصرة الجغرافية الأمنية لاسرائيل رغم ضمها للمستوطنات الصهيونية داخل جدار الفصل, وهنا يصدق الحق سبحانه وتعالى في قوله " وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار", وبعد أن أغلقت العنجهية والصلف الصهيوني كافة الأبواب أمام عملية السلام وامكانية اقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وقابلة للحياة, واستمرت باستراتيجية ابتلاع الارض وتهويدها والتنكر لحقوق الفلسطينيين, جاءت الهبة الشعبية الفلسطينية الحالية والتي جمعت بين ثناياها سمات الانتفاضتين الأولى عام 1987م بحجارتها وجماهيريتها وبين الثانية ببطولة وبسالة عملياتها الفدائية, مع سمة جديدة أساسية تؤرق قادة الأمن الاسرائيلي وهو الطابع الفردي الاستشهادي الارتجالي غير المنظم على عملياتها الفدائية, وتركيز الفعل الفدائي النضالي على قطعان المستوطنين خاصة بالقدس الشريف, وعمليات فدائية داخل اسرائيل جعلت من الخاصرة الجغرافية لاسرائيل من الهشاشة بمكان لتحتمل فعل كفاحي نضالي فلسطيني ملتهب, وباتت تلك الخاصرة ليس لها وجود يذكر أمام عقيدة ايمان الشباب الفلسطيني بحتمية النصر أو الشهادة, وبرز التخبط الاسرائيلي واضحاً على كافة الصعد في اسرائيل, حكومة متخبطة ومنزعجة وغير قادرة على الفعل السياسي بل عملت على عسكرة وتجييش الشارع الاسرائيلي, وعلى الصعيد الاقتصادي هبوط حاد في اسعار البورصة الاسرائيلية, وافراد المجتمع الاسرائيلي باتوا يقتلون بعضهم بسبب حالة الرعب والهلع المسيطر على أعصابهم, فكانت عمليات مقتل للجنود على أيدي جنود, ومواطن يهودي اسرائيلي يهرب من حامل سكين فلسطيني يلاقي حتفه على أيدي أبناء دينه وهويته لاعتقادهم بانه فدائي فلسطيني مهاجم, خانتهم البشرة السمراء فكانت وبالاً على محياهم ومماتهم, واذا ما استمرت اسرائيل بذات السياسة والصلف والغطرسة والاستعلاء ضاربة بعرض الحائط كافة الاتفاقيات والمطالبات الدولية بضرورة دفع استحقاقات عملية السلام بوقف الاستيطان والتهويد لأرض الضفة الغربية واطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بإقامه دولته المستقلة ذات التواصل الجغرافي والقابلة للحياة, فإنها لن تجد سوى سوء سياستها وغطرستها ينهال وبالاً عليها من الداخل, فخاصرتها الجغرافية والتي عملت على توسيعها بالحرب والاستيلاء على الأرض العربية وفرت لها القدرة على المناورة العسكرية لأخطار قد تأتيها من الجبهة الشرقية, ولكن مع الفعل الانتفاضي للفلسطينيين التواقين للانعتاق من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني واستبداده, لم تعد تلك الخاصرة الجغرافية الأمنية والتي أحاطتها اسرائيل بالجدار العازل والأبراج العسكرية العاتية والتي مكنتها والى حين من صد المواجهة المحتدمة مع أصحاب الأرض الأصليين, ومع ذلك باتت حلقات الصراع متواصلة ومستمرة من انتفاضة الحجارة, الى انتفاضة الاقصى بكل تجلياتها, الى الهبة الشعبية الحالية, ومجاميعها أدت لنتيجة واحدة مفادها ان الاستيطان والتوسع والقوة العسكرية لن تنهي جذوة الصراع, فخاصرة اسرائيل الجغرافية الأمنية لم تداهمها الجيوش العربية ليتم صدها من فوق جبال الضفة الغربية كما خطط ورسم جنرالات اسرائيل, ولكن جاءها أسياد البلاد وأصحابها الشرعيين من خلف السور وأمامه ليثبتوا للعالم ولجنرالات اسرائيل أن خاصرتهم الجغرافية الأمنية احتضرت مهما شيدتم من أبراج واتخذتم من أسوار وحصون أمام الايمان الفلسطيني الراسخ بحتمية استعادة حقهم المسلوب واقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ا. علاء محمد منصور
كاتب وباحث بالدراسات السياسية