تاريخ النشر: 2018-08-28 | 07:11
تاريخ النشر: 2018-08-28 | 07:11
في ظل المماطلة الإسرائيلية في إدارة الصراع، والتعنت الإسرائيلي والسياسة الإستيطانية وسياسة العزل والتهجير والتدمير والإبادة السياسية الممنهجة وفرض الوقائع، أضحت هنالك تساؤلات كثيرة حول مدى إمكانية تطبيق حل الدولتين.
لقد شكلت قضية المستوطنات عقبه حقيقة في طريق حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي قطعت أوصال الدولة التي لم تولد بعد، وبدت المستوطنات الاسرائيلية والقرى والمدن الفلسطينية حلقة واحدة يصعب فصلها أو رسم معالم حدودية بينها.
كما أن تبني اسرائيل لقانون يهودية الدولة العنصري يتناقض كليا مع مشروع حل الدولتين، ويمثل تناقضا مع قيم الديمقراطية، وتجسيدا لمبدأ العنصرية والتمييز العنصري، ويشكل خطرا كبيرا على مستقبل أكثر من مليون ونصف فلسطيني يعيشون داخل الخط الأخضر، وعلى حق ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذي شردوا وهجروا من أراضيهم قصرا.
إن شعار الدولة الديمقراطية الواحدة كان يوما شعار الثورة الفلسطينية في مطلعها، قبل أن تتبنى بدلا منه مشروع "السلطة الوطنية". حيث رفعت هذا الشعار واستمرت في المناداة به حينا من الدهر على اساس المواطنة والمساواة والاندماج الكامل في دولة واحدة، طبعا بعد القضاء على الصهيونية وازالة إسرائيل!!!، بحيث يصبح كل سكان فلسطين، على اختلاف أديانهم وقومياتهم وإثنياتهم، مواطنين فلسطينيين؟!!!!
ان الدافع الحقيقي لتوالي مقترحات الفلسطينيين، التي ظلت تتسم بانخفاض متواصل لسقفها، رغم انها لم تكن تخلو من دوافع أيديولوجية، كان هو الخلل في موازين القوى الناجم عن مجريات الصراع، والظروف الإقليمية والدولية التي لم تكن في صالحهم.
ان هذا هو المحرك الدائم لمقترحات الفلسطينيين التي تطورت من مشروع التحرير ذي الطابع القومي، إلى مقترح الدولة الواحدة، فالحل المرحلي، فحل الدولتين، فحل الدولة الديمقراطية الواحدة، مرة أخرى.
يرى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المناضل أحمد سعدات، أن واحدة من أولويات استحقاقات الرد الفلسطيني الاستراتيجي على قانون القومية الصهيوني يتمثل في "مقابلة شعار دولة اليهود القومية بشعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، بمضمونها المؤهل لحل تناقضات عملية الصراع في فلسطين وفق منطق ديمقراطي عصري تقدمي وإنساني، ويجسد مقولة الحل العادل والشامل والدائم ويهدف إلى تحرير اليهود والعرب الفلسطينيين في آن واحد".
ورغم أن احمد سعدات رفع شعار الدولة الواحدة الديمقراطية لكنه يرى أن هذا الشعار "لا يسقط حق شعبنا في مطالبة المجتمع الدولي أن يتحمل مسئولياته في إلزام الكيان الصهيوني بتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، فتطبيق هذه القرارات يمكن أن تشكّل مدخلاً للحل الديمقراطي الشامل للصراع في فلسطين وليس بديلاً عنه".
على الجانب الاسرائيلي، وبعد انعدام فرص تطبيق حل الدولتين، تبدي أوساط عديدة قلقها من تسبب فشل حل الدولتين في تحولها لدولة ثنائية القومية تنزع عنها صفة "اليهودية الديمقراطية". حيث دعا رئيس المعارضة ورئيس حزب المعسكر الصهيوني يتسحاق هرتسوغ إلى تسوية الصراع بإقامة دولة فلسطينية وأضاف أن "الدعوة للفصل بين الشعبين لا تنم عن حبنا للعرب كما يدعي اليمين، بل هي الحل الصهيوني الوحيد ومن دونه يتجه الشعبان نحو حرب أهلية في نطاق دولة واحدة".
وسبق أن قال شمعون بيريز أن "خيار الدولة الواحدة الذي بدأ يسمع من طرفي الصراع سيقود إسرائيل لفقدان يهوديتها وديمقراطيتها". لأن دافيد بن غوريون، كما قال بيرس، فضّل دولة يهودية في جزء من "أرض إسرائيل" على دولة غير يهودية تقوم في كل البلاد. كما أن عددا من الكتاب الاسرائيليين، إيلان بابيه مثلاً، بدأوا يدعون إلى حل الدولة الديمقراطية الواحدة.
يرى أحمد الطيبي أن إسرائيل قد تجاوزت نقطة اللاعودة ولم تعد تسوية الدولتين ممكنة، قائلا "عما قريب جدا ستصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية وعنصرية على غرار جنوب أفريقيا".
العقبات
يواجه شعار الدولة الديمقراطية الواحدة الكثير من العقبات على كلا الجانبين.
إن العقبات الإسرائيلية، تحتل الجوهر الأساسي، وهي تتمثل في أن الدولة الديمقراطية تتناقض بالمطلق مع الهدف الاستراتيجي، الذي يسعى إليه الكيان، الذي يتمثل في إقامة الدولة اليهودية، الخالية من العرب، والتي تجمع اليهود من مختلف أنحاء العالم.
كما تتناقض مع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم التاريخي. وتتناقض أيضاً مع كل قوانين الأساس التي سنها الكيان الاسرائيلي عوضاً عن الدستور. وتتناقض مع الجذور التوراتية للسلوك الاسرائيلي، ومسلك الحاخامات، الذين أبقوا اليهود في إطار (الغيتو) واستطاعت المؤسسة الدينية من خلال ذلك فرض شروطها على المجتمع الاسرائيلي.
هذا عدا عن المناهج الإسرائيلية في رياض الأطفال والمدارس وفي المدارس الدينية، التي لم تنتج على مدى ما يقارب السبعين عاماً، سوى التطور في بنية اليمين الديني المتطرف، والفاشي بجدارة، إضافة إلى عسكرة المجتمع من خلال تطور المؤسسة العسكرية - الأمنية بمفاهيمها التي تفرضها على الشارع الإسرائيلي.
كما أن إسرائيل مازالت تسعى للتخلص من الفلسطينيين العرب بداخلها، الذين يشكلون 20% منها فقط، وترى في بقائهم في أرضهم خطراً استراتيجياً على وجودها.
أما على الصعيد الفلسطيني، فإن هناك أيضا الكثير من العقبات ويأتي على رأسها تمسك الفلسطينيين بحقهم التاريخي في فلسطين، وان هذا الحق لا ينازعهم فيه احد، وأن حق عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ارضهم حق طبيعي وتاريخي، وأن هذا الحق يتطلب إزالة الكيان الإسرائيلي بالقوة وخاصة قوة السلاح، الوسيلة الوحيدة القادر على حسم الصراع، كما يرى غالبية الفلسطينيين.
ان غالبية الفلسطينيين لا يزالون لا يؤمنون بالنضال السلمي، ولا بإمكانية النضال الطويل التراكمي لتخليص إسرائيل واليهود من خطر الصهيونية، وتحويل هذا الكيان إلى دولة لكل مواطنيها، كما ان الأفكار الدينية المتطرفة والنظرة العنصرية لليهود مازالت متغلغلة، وهي السائدة في المجتمع الفلسطيني.
ان الكفاح المسلح والبندقية هما من اهم مقدسات الشعب الفلسطيني، وأن الشهادة والتحريض على قتال اليهود، اعداء الوطن والدين، هو جوهر الخطاب الذي تمارسه القوى السياسية الفلسطينية وخاصة الدينية منها. كما أن مناهج الدراسة الفلسطينية لا تخلو من هذه المفاهيم.
أن استخدام قيم التدين المشوهة قد ألقت بظلالها على هذه المسألة، وحولت الصراع الى صراع عقائدي اكثر منه صراع سياسي. كما أدى استخدام الشعارات المقدسة والمطلقة إلى تزييف وعي الاجيال الشابة، مما أدى ليكون هذا النهج احد المعوقات الهامة في وجه النضال الشعبي والسلمي. ان هذا يتطلب بذل جهودا مضاعفة في هذا الإطار وبين هذه الفئات المهمة والفاعلة، خاصة بين الشباب الذين تعرضوا الى هذا التزييف ردحا من الزمن.
ان هذه العقبات، على طرفي الصراع، تبين مدى صعوبة هذا الخيار وتضع أمام من يتبناه مهمات عظيمة يحتاج حلها إلى نضال شاق وطويل الامد.
البرنامج الفلسطيني
ان رفع شعار حل الدولة الديمقراطية الواحدة كشعار استراتيجي يتطلب مواصلة الصمود فوق أرضنا وعدم تركها والهجرة منها، تحت ضغوطات الحياة واستجابة الى مخططات الأعداء، وهذا يتطلب دعم صمود هذا الشعب فوق ارضه والتمسك بالسلطة الوطنية الفلسطينية، اهم إنجاز وطني معاصر، وتطويرها وتقويتها لتكون الحاضنة الاجتماعية والسياسية لهذا الصمود الوطني.
علينا الا نعيد أخطاء الماضي كما قال الرئيس ابو مازن.
أن هذا يتطلب تفعيل النضال الشعبي السلمي والمقاومة الشعبية ضد المخططات الاسرائيلة، خاصة ضد الاستيطان وتهويد القدس ومن اجل عودة اللاجئين إلى اراضيهم سلميا.
كما يتطلب ايضا مزيدا من النضال الداخلي لإقناع القطاعات الشعبية بأهمية واولوية النضال السلمي، وأهمية التخلص من النزعات غير الواقعية والمتطرفة التي تقدس البندقية والكفاح المسلح، بعيدا عن النتائج والواقع المعاش وموازين القوى السائدة.
كما يتطلب هذا النضال تخليص المجتمع من الأفكار المتطرفة التي تقدس الموت ولا تؤمن بالتعايش السلمي مع الاخر، وترى في القتال فرض واجب، من أجل القتال فقط، تحت مسميات مختلفة.
أن النضال السلمي وقيم المساواة والديمقراطية يجب أن تتغلغل داخل المجتمع لتصبح هي السمة البارزة التي تميز أفراده ومؤسساته ومكوناته الحزبية، ليصبح النضال من أجل قيام دولة ديمقراطية واحدة احد القيم والمفاهيم الثقافية والأخلاقية التي يدافع عنها غالبية المجتمع، خاصة الفئات المتنورة بين الشباب والمرأة والمثقفين.
أن هذا يتطلب ايضا تفعيل عمل لجان التواصل الاجتماعي داخل إسرائيل، والتشبيك والتنسيق والاستفادة من كل القوى الشعبية اليهودية التي تتضرر من قانون القومية، أو القوى التي تؤيد، ولو جزءا من، حقوقنا السياسية أو المدنية. وفي هذا السياق فإن التنسيق مع كل اطياف ممثلي شعبنا في مناطق ال48 يجب أن يكون على رأس أولوياتنا.
ان الدولة الديمقراطية الواحدة هي دولة عصرية لكل مواطنيها، تتعزز فيها قيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان ولا تفرق بينهم على أي اسس عنصرية أو ثقافية أو دينية.
ان علينا أن نقتنع أن هذه الدولة لن ترى النور الا من خلال النضال السلمي والديمقراطي المشترك بين العرب واليهود، بعيدا عن أي تطرف أو عقبات على جانبي المشهد.
إن هذا الحل يتطلب من الطرفين خلق حالة من الوعي لدى القاعدة الشعبية بأن إلغاء طرف لوجود الطرف الآخر واجتثاثه غير ممكن بل ومستحيل وأن لا مستقبل للشعبين الا العيش المشترك في دولة المساواة والمواطنة.
أخيرا، اننا نرى انه لا تناقض بين رفع شعار الدولة الديمقراطية الواحدة وتبني مشروع حل الدولتين "الذي يمكن أن يشكّل مدخلاً للحل الديمقراطي الشامل للصراع في فلسطين وليس بديلاً عنه"، كما يقول المناضل احمد سعدات.
ان التحرك السياسي الفلسطيني والعربي والدولي يجب ان يبقى قائماً على أساس حل الدولتين، كحل اعتراضي هادف إلى منع تصفية القضية الفلسطينية، وليبق متسلحاً بقرارات الشرعية الدولية، التي ضمنت للاجئين من أبناء شعبنا حقهم في العودة، والتي لا تعترف باحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية في عام 1967، ولذلك تدعو إلى انسحابها من كافة هذه الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، ولكن لتبق لنا قناعاتنا الخاصة واستراتجيتنا المتمثلة في أن حل الدولة الواحدة الديمقراطية هو الحل النهائي والإستراتيجي.