أعادت الحرب الأخيرة رسم كثير من معادلات المنطقة، ولم تكن العلاقة بين الدول العربية وإيران استثناءً من ذلك. فقد أظهرت التطورات أن سياسة التهديد وبناء النفوذ عبر الميليشيات والتدخل في شؤون الدول الأخرى لم تعد تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها طهران، بينما تتجه العواصم العربية بصورة متزايدة إلى بناء منظومة إقليمية تقوم على حماية الأمن الجماعي، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والحد من مصادر التوتر. وتكشف الصحف الإيرانية الرسمية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حجم القلق داخل النظام من هذا التحول.
لقد أدركت القيادة الإيرانية أن البيئة السياسية في المنطقة تغيرت بصورة جوهرية. فالدول العربية لم تعد تنظر إلى الأزمات الإقليمية باعتبارها ملفات منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أمن مشترك. ومن هنا جاء الاهتمام المتزايد بتطوير التعاون الأمني، وحماية الممرات البحرية، وتعزيز التنسيق السياسي، بما يقلل من قدرة أي طرف على استخدام الأزمات وسيلة لفرض نفوذه.
وفي المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً. فشبكة النفوذ التي أنفق عليها مليارات الدولارات خلال العقود الماضية أصبحت تواجه ضغوطاً سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة. كما أن الحرب الأخيرة أظهرت أن استمرار سياسة التصعيد يفرض على إيران أثماناً باهظة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمات عميقة، وتزداد فيه الاحتجاجات الاجتماعية داخل البلاد.
وتعكس الصحف الإيرانية هذا القلق من خلال الدعوة إلى إعادة تقييم السياسات الخارجية، وتخفيف التوتر مع دول الجوار، والبحث عن مخارج دبلوماسية للأزمات. غير أن هذه الدعوات تصطدم بحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة العلاقات الخارجية، بل في النهج الذي اعتمده النظام طوال سنوات، والقائم على ربط أمنه الداخلي بتوسيع نفوذه الإقليمي.
ومن جهة أخرى، باتت الدول العربية أكثر اقتناعاً بأن استقرار المنطقة يتطلب احترام سيادة الدول وعدم استخدام الجماعات المسلحة أدوات للضغط السياسي. ولذلك أصبح الخطاب العربي يركز بصورة متزايدة على التنمية الاقتصادية، والاستثمار، وربط المصالح المشتركة، بدلاً من الدخول في دوائر الصراع المستمرة التي استنزفت المنطقة لعقود.
لكن التحول الأهم يتمثل في أن الأزمة الداخلية الإيرانية أصبحت عاملاً رئيسياً في صياغة السياسة الخارجية للنظام. فكلما تعمقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ازداد ميل السلطة إلى استخدام الملفات الخارجية لتخفيف الضغوط الداخلية. إلا أن هذا الأسلوب أصبح أقل فاعلية بعد الحرب، لأن الأولوية بالنسبة للمواطن الإيراني لم تعد الشعارات الإقليمية، بل تحسين مستوى المعيشة، ووقف التدهور الاقتصادي، وإنهاء العزلة التي تعيشها البلاد.
وفي هذا السياق، تتزايد أنشطة وحدات المقاومة داخل إيران، مستفيدة من اتساع الهوة بين المجتمع والسلطة، ومن تراجع قدرة النظام على توظيف التوترات الخارجية لتوحيد الجبهة الداخلية. وهو ما يجعل كثيراً من المراقبين يرون أن مستقبل الاستقرار الإقليمي يرتبط أيضاً بمستقبل الأوضاع داخل إيران نفسها.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، أكدت السيدة مريم رجوي في لقاءاتها مع مسؤولين وبرلمانيين وشخصيات سياسية أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يتحقق عبر المساومات مع نظام ولاية الفقيه، وإنما من خلال دعم تطلعات الشعب الإيراني إلى الحرية وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
إن ما تشهده المنطقة اليوم يشير إلى تراجع تدريجي لسياسة الابتزاز والتهديد التي اعتمدها النظام الإيراني لسنوات، مقابل صعود رؤية عربية تضع الاستقرار والتنمية في مقدمة الأولويات. وإذا استمر هذا المسار، فإن قدرة النظام على استخدام الأزمات الإقليمية للبقاء ستتقلص أكثر، بينما سيصبح مستقبل إيران مرتبطاً، قبل أي شيء آخر، بما يقرره شعبها في الداخل.